حائط "البراق" لا "حائط المبكى!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وحائط البراق أثر إسلامي مِن الوقف الإسلامي، لكنه ليس له عند المسلمين ما يميزه عن غيره مِن أجزاء وسور المسجد، ولا يخصصه المسلمون بشعائر أو عبادات تُقام عنده مِن دون سائر المسجد.
أما اليهود بما عهد عنهم مِن اختلاقٍ للأكاذيب والمبالغة فيها، وتصديقهم لأنفسهم فيما يدعونه؛ حولوا هذا الحائط إلى رمزٍ دينيٍ وقومي، حتى صار مِن أشهر المعالم عندهم!
وجعلوا ساحاته مكانًا لعقد الاحتفالات بالمناسبات الوطنية، والمؤتمرات، وحفلات تخرج الجيش، إلى جانب كونه مزارًا دينيًّا ربطوه بشعائر وعباداتٍ وصلوات، مع أنه لم يثبت أن هناك أي أثرٍ تاريخي لليهود رغم كثرة عمليات البحث والتنقيب التي أُجريت في المنطقة، ولم يكن قطعًا في أصل دينهم هذه الشعائر والعبادات عند هذا الجدار، ومثل هذه الدعاوي والأعمال ليستْ بغريبةٍ على مَن عرف اليهود وطباعهم، وجرَّب أحوالهم وتصرفاتهم، وعلم ما هم عليه عبْر تاريخهم مِن الضلال والتحريف.
تاريخ اليهود مع حائط البراق:
بعد الفتح العثماني للشام بدأت هجرة يهودية مِن أسبانيا إلى الشام في أعقاب طرد الأسبان للمسلمين واليهود مِن الأندلس، وذلك حوالي عام 1520م، ومِن باب التسامح مع اليهود أذِن السلطان العثماني سليمان القانوني عام 1566م لليهود بالدخول إلى أسوار بلدة القدس القديمة والاقتراب مِن حائط البراق، حيث عهدوا البكاء والنواح عنده إذ يذكِّرهم بخراب هيكلهم، وعمدوا إلى قراءة المزامير عنده وتقبيل أحجاره، ثم وضعوا لزيارته أدعية خاصة، بل وصلوات! وقد بدأت صلوات اليهود عند الحائط مِن عام 1625م.
وفي عهد "محمد علي باشا"، وفي فترة وجوده بالشام (1831م -1840م ) طالب اليهودُ بشراء أراضي وأملاك وعقارات في فلسطين والقدس؛ فمنعهم "محمد علي" مِن ذلك، وأمرهم بعدم رفع أصواتهم عند الحائط، وقد تكررت محاولات الشراء بعد ذلك، ولكن باءت بالفشل.
وفي عهد "إبراهيم باشا" سمح لليهود بالاقتراب مِن الحائط مقابل 300 جنيه إنجليزي تسدد سنويًّا لجهة الوقف المسئولة عن المكان، وعندها بدأ اليهود في اصطحاب الكراسي والحصر للجلوس عليها، وجلب الستائر والمصابيح معهم، رغم أن المكان لا يعدو أن يكون ممرًا للمشاة؛ تقدَّم ناظر الوقف بشكوى لإدارة لواء (ولاية) القدس عام 1911م؛ فتم منعهم مِن جلب أي أدواتٍ معهم عند زيارة الحائط.
وجاء إعلان "بلفور" في نوفمبر 1917م، ثم وضع فلسطين والقدس تحت الانتداب البريطاني ليشجع اليهود على السلوك العدواني تجاه المسلمين في فلسطين؛ مما أدى إلى ثورة البراق عام 1929م.
ثورة البراق:
في سبتمبر 1929م قررتْ إنجلترا تطبيق ما قررته في الكتاب الأبيض الذي أصدرته، والذي يعطي اليهود حق المرور إلى الحائط/ وإقامة شعائر العبادة اليهودية عنده، مع تحديد الأدوات التي يحق لليهود اصطحابها إلى المكان، مع التأكيد على ملكية المسلمين للمكان، وكان المؤتمر الصهيوني العالمي السادس عشر -والذي عقد في (زيورخ)- قد أوصى ببذل الجهود لإعادة بناء الهيكل المزعوم لليهود؛ مما ترتب عليه خروج مظاهرات يهودية في يوم الأربعاء 14 أغسطس 1929م، وتجمعها عند الحائط حاملة للعلم اليهودي وهي تهتف: (الحائط حائطنا!).
وفي يوم الجمعة 16 أغسطس اندلعت المناوشات بيْن اليهود والفلسطينيين، والتي استمرتْ لمدة أسبوعين، وعُرفت في التاريخ بـ(ثورة البراق)، والتي امتدت إلى كل المدن الفلسطينية في أعقاب ما قام به اليهود المتحمسين مِن الاعتداء على المسلمين، وأسفرت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين عن استشهاد 116 فلسطينيًّا وإصابة 232 مصابًا، ومقتل 133 يهوديًّا وإصابة 329 مصابًا.
واضطرت بريطانيا إلى إخماد هذه الثورة باستدعاء قوات عسكرية إنجليزية مِن مصر، وعمدت إلى معاقبة الفلسطينيين بإعدام ثلاثة مِن الفلسطينيين في 17 يونيو 1930م، ولم توقـِّع أي عقوبةٍ على اليهود.
وقد رأت بريطانيا تشكيل لجنة للتحقيق برئاسة (والتر شو) للتعرف على أسباب هذه الاضطرابات لتجنب تكرارها، فأوصى (شو) بإرسال لجنة دولية للتحقيق في حق العرب واليهود في حائط البراق، فتم تشكيل لجنة منبثقة مِن (عصبة الأمم ) بعد موافقتها على توصية لجنة (شو)، والتي وصلت القدس في 19 يونيو 1930م، وأقامتْ فيها شهرًا؛ للتحقيق والاطلاع على الوثائق وسماع الشهود.
وفي النهاية أقرَّت (عصبة الأمم) بحق المسلمين في ملكية الحائط، وأصدرت تقريرًا باسم: (مرسوم الحائط الغربي) وفيه: "للمسلمين وحدهم تعود ملكية الحائط الغربي، ولهم وحدهم الحق العيني فيه؛ لكونه يؤلـِّف جزءًا لا يتجزأ مِن ساحة الحرم الشريف، التي هي مِن أملاك الوقف، ولهم أيضًا تعود ملكية الرصيف الكائن أمام الحائط، وأمام المحلة المعروفة بحارة المغاربة؛ لكونه موقوفًا بحسب أحكام الشرع الإسلامي لجهات البر والخير".
والمقصود بالرصيف الكائن أمام الحائط، رصيف كان موجودًا قبْل دخول اليهود القدس عام 1967م، وكان على هيئة ممر عرضه 4 أمتار، أما حي المغاربة (حارة المغاربة) الذي كان في مواجهة الحائط ودمره اليهود بعد احتلال القدس في يونيو 1967م فمعلوم تاريخيًّا أن حي المغاربة (حارة المغاربة) يعود تاريخه إلى أواخر القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) حيث أوقف مباني هذا الحي الملك الأفضل نور الدين بن صلاح الدين الأيوبي -رحمهما الله تعالى- على طائفة المغاربة الوافدين مِن بلاد المغرب إلى بيت المقدس؛ لما كثر عدد زائريهم بعد تحرير صلاح الدين للمدينة مِن الصليبيين.
عند اليهود كان بناء الهيكل (هيكل سليمان ) بأمرٍ مِن ملكهم سليمان بن داود -عليهما السلام-؛ إذ أن اليهود لا يقولون بنبوة داود أو سليمان، فهما عندهم ملكان لا نبيان، وأنه بناه ليكون بيتًا للرب، تُقدَّم فيه القرابين في المناسبات الدينية، ولكن اليهود عمدوا إلى حائط البراق -وهو ما تبقى مِن الهيكل في زعمهم أو يشير إليه- فأدخلوه في عباداتهم وصلواتهم اليومية إلى جانب البكاء والنواح عنده.