حائط "البراق" لا "حائط المبكى!"
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
جاء في كتاب (القدس مدينة واحدة عقائد ثلاث) للكاتب الأمريكي (كارين أرمسترونج) عن بداية وضع اليهود مع حائط البراق: "لم تكن تقام هناك طقوس رسمية للعبادة، غير أن اليهود كانوا يحبون قضاء فترة ما بعد الظهيرة هناك يقرءون المزامير ويقبلون الأحجار... وسرعان ما اجتذب الحائط الغربي أساطير كثيرة فقد تم ربط الحائط بأقاويل مِن التلمود تخص الحائط الغربي، وهكذا أصبح الحائط رمزًا لليهود".
إن المتتبع لتاريخ اليهود عند الحائط يلاحِظ مِن غير عناء كيف تطورت العبادة عند حائط (البراق)؛ فقد بدأت بالبكاء والنواح، ثم ابتدع لهم حاخاماتهم دعاءً خاصًّا يرددونه في صلواتهم عند الحائط، وهو قَسَم وعهد على إعادة بناء الهيكل، وتحولت العبادة هناك إلى صلاةٍ كاملة، وكأنهم في كنيس (أي معبد يهودي)، يضعون عنده ما يسمَّى بـ(تابوت الشريعة) الذي يحتوي على الوصايا العشر، وتقام عنده الصلوات اليهودية المفروضة في اليوم ثلاث مرات، الموسومة بـ( شحاريت) وهي صلاة الفجر، و(منحة) صلاة نصف النهار، وصلاة (معاريف)، وهي صلاة المساء، مع وجوب لبس (الطاليت)، وهي كلمة عبرية تعني شال الصلاة، يوضع على الرأس والأكتاف، كما يلبس كذلك (التيفيلين)، وهما علبتان مِن الجلد بداخلهما آيات مِن التوراة، وهي نوع مِن التمائم والتعويذات يعتقدون أنها تعصمهم مِن الخطأ والذنوب، تثبتان بشرائط جلدية على الذراع الأيسر مقابل القلب، وعلى الجبهة مقابل المخ، ويشرع لبسه للصلاة الصباحية، وينبغي على اليهودي أن لا يتهاون في إيقاعها على الأرض حتى لا يضطر أن يكفـِّر عن ذلك بصيام يوم كامل.
تطلع اليهود إلى الحائط الجنوبي:
ومع تمادي اليهود في تهويد القدس تمادوا في نظرتهم إلى أسوار المسجد الأقصى حيث بدأ المئات مِن المتطرفين اليهود في مباشرة طقوس دينية عند الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى أسفل قبة المسجد، وأعلن أنه سيكون هناك صلاة كل يوم اثنين وخميس مِن كل أسبوع، وعمد بعض اليهود إلى وضع قصاصات مِن أوراق التمائم والتعويذات داخل حجارة الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى كما يفعلون في الجدار الغربي (حائط البراق) للمسجد.
الحفريات عند حائط البراق:
ومِن تمادي اليهود أنهم لم يكتفوا بما تمَّ مِن حفرياتٍ وتنقيب في مدينة القدس القديمة، بل خصصوا حائط البراق بالحفر والتنقيب حوله بحثًا عما يدل على وجود هيكلهم عنده، ولم يجدوا ما يدل على ذلك، ولكنهم جعلوا مِن هذا الحفر وسيلة لشق نفق عند الحائط يربط بيْن (ساحة البراق) و(طريق الآلام)، والذي تمَّ شقه ثم افتتاحه في عام 1996م، رغم الاعتراضات العربية والدولية؛ إذ تهدد هذه الحفريات المسجد الأقصى بالانهيار، وقد انهار في 15 فبراير 2004م جزء مِن الطريق المؤدي إلى باب المغاربة، أحد الأبواب الرئيسية للمسجد الأقصى، بسبب عمليات الحفر تحته، وقد شهد افتتاح هذا النفق، رغم اعتراض الفلسطينيين على افتتاحه، أحداثًا دامية نتيجة تصدي الفلسطينيين لفتح النفق، وتصدي قوات الاحتلال الإسرائيلي لهم، حيث سقط 85 فلسطينيًّا شهيدًا، وأصيب 1500 آخرون؛ بالإضافة إلى مقتل 14 يهوديًّا.
تهويد ما حول حائط البراق:
يتخذ اليهود مِن حائط البراق بوابة للاقتحامات المتصاعدة لساحات المسجد الأقصى مِن اليهود المتدينين في حراسة قوات الاحتلال للتجول وإقامة شعائرهم وطقوسهم فيها في استفزازٍ صريحٍ للمسلمين المصلين بالمسجد.
وقد افتتحت سلطات الاحتلال مؤخرًا كنيسًا (معبدًا يهوديًّا) جديدًا للصلاة فيه أسفل حائط البراق، والذي استغرق بناؤه 12 عامًا، وأظهرت صوره المنشورة ما فيه مِن الغرف الممتلئة بصفوفٍ مِن المقاعد الخشبية.
ويسعى اليهود إلى بناء مجمعٍ سياحي وتجاري في الساحة الخارجية لباب المغاربة لتشجيع زيارة المكان، وجلب أنظار يهود العالم إلى الحائط لزيارته على مدار العام.
وقد أدخل اليهود بروتوكولًا لزيارة الحائط الغربي لغير اليهود.
وممَن زاره الرئيس الأمريكي (بوش) خلال زيارته لمدينة القدس عام 1998م عندما كان حاكمًا لولاية تكساس، ومِن بعده زاره رؤساء آخرون، كان آخرهم "ترامب" -الرئيس الحالي لأمريكا-، كما زاره الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) في أبريل 2005م، وقام بابا الفاتيكان أيضًا بزيارته بما يعد إقرارًا علنيًّا لموقف اليهود مِن هذا الحائط!
وقد نشرت جريدة (معاريف) الإسرائيلية في أوائل مارس 1984م أن لجنة القانون والقضاء التابعة للكنيست الإسرائيلية أصدرت قرارًا بإخراج حائط البراق مِن سلطة دائرة الأوقاف الإسلامية.
محاولة إقامة حائط مبكى في سيناء:
ومِن عجائب هؤلاء اليهود أنه أثناء الاحتلال العسكري لسيناء مِن قِبَل القوات الإسرائيلية بعد حرب يونيو 1967م، اتخذ اليهود صخرة بارتفاع 30 مترًا عن سطح الأرض نصبًا تذكاريًّا لقتلى الجيش اليهودي الذين قُتلوا أثناء العدوان الإسرائيلي على سيناء لاحتلالها، وأطلقوا عليها اسم (صخرة ديان)، فكان يتوافد عليها أفواجًا مِن اليهود -قبْل إجبارهم على الخروج مِن سيناء وإعادتها كاملة لمصر- يبكون ويصلون عندها، كما يفعلون عند "حائط البراق" في مدينة القدس!