(اللهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) (1)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ورد في دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- في استفتاح قيام الليل قوله -عليه الصلاة والسلام-: ( اللهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وبِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ) (متفق عليه) .
فتَأَمَّلْ هذا الترتيبَ الرائع العظيم؛ لأن العبد لا يستطيع المُخاصَمَةَ إلا إذا كان مُنِيبًا إلى الله -عَزَّ وجَلَّ-؛ فهو لا يُخاصِمُ إلا للهِ وباللهِ.
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَبِكَ خَاصَمْتُ):
أكثرُ الخلقِ يخاصِمونَ غيرَهم لحظوظِ أنفُسِهم، وليس هذا مِن التسليم لله -عَزَّ وجَلَّ-، بل مَن أسلم لله -عَزَّ وجَلَّ- فإنه لا يُخاصِمُ إلا لله -عَزَّ وجَلَّ-، ولا يخاصِمُ كذلك إلّا به مستعينًا به -عَزَّ وجَلَّ- متوكلًا عليه؛ لأنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، فإذا خاصمنا لحقوقِ أنفسنا فقد ضاعت منّا حقيقة الاستسلام لله -عَزَّ وجَلَّ-، وإذا خاصمنا بأنفسنا وبتدبيرنا ولم نستشعرْ فقرَنا وعجزَنا واحتياجَنا التامّ وضرورتنا التامَّة إلى الله -عَزَّ وجَلَّ-، وَكَلَنا اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- إلى أنفُسِنا، وصارتْ قوةُ الأعداءِ تُؤَثِّرُ ما لا نستطيعُ دفعَه، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.
المُخَاصَمَةُ لا تكون إلا باللهِ وللهِ:
فأمّا إذا خاصمنا بالله؛ فهذه ثمرةُ الإسلامِ والإيمان، والتوكل والإنابة، فإن العبدَ إذا أناب إلى الله خاصمَ بالله، أي: خاصَمَ مستعينًا بقوة الله -عَزَّ وجَلَّ-، فصار القليلُ منه كثيرًا، وغلبت الفئةُ القليلةُ الفئةَ الكثيرةَ بإذنِ الله -عَزَّ وجَلَّ-، كما قال -تعالى-: ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (البقرة:249) .
صرفَ الله -عَزَّ وجَلَّ- عن عباده المؤمنين مِن أنواعِ الكيدِ والمكر ما قد أحاط بهم أعداؤهم وأوشكوا أن يستأصلوهم، ولكن الله -عَزَّ وجَلَّ- يقلبُ قلوبَ خلقه بما شاء، ويصرف إرادتهم وقواتِهم بأمرِه، وهذا ثمرةُ مَن خاصم بالله -عَزَّ وجَلَّ- أن يُصرَفَ عنه السوء وأذى المؤذين، وظُلْمَ الظالمين، وإلا ما يُقدِّره الله -عَزَّ وجَلَّ- عليه مِن بلاءٍ يجعله خيرًا كثيرًا، حتى يستكمل عبوديته لله -عَزَّ وجَلَّ-.
ولا بد أن نستشعر في صراعِ أهلِ الحقِّ مع أهلِ الباطلِ عبْر الزمان والمكان أن أهلَ الإيمانِ لم ينتصروا قطّ بعددٍ وعدةٍ وتخطيطِ وكيدِ، وإنما انتصروا بالله -عَزَّ وجَلَّ-، قال الله -تعالى-: ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (آل عمران:126) ، وإنما ينتصرون بالله -عَزَّ وجَلَّ- إذا خاصَمُوا به، وإذا صَالُوا به، وإذا قَاتَلُوا به، كما كان النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- يقول في مواجهة عدوه: ( اللَّهُمَّ بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، وكان النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- إذا غزا قال: ( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي، بِكَ أَحُولُ، وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقَاتِلُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
وقوله -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-: ( أَنْتَ عَضُدِي ) معناه: أنت الذي تُعَضِّدُني وتقوّيني وتُعينني، ( وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ) (يوسف:18) ، فالله -عَزَّ وجَلَّ- هو الذي يَستعينُ به أهلُ الإيمانِ، وهذا معنى المُخاصمةِ بالله -عَزَّ وجَلَّ-.
وأما المخاصمة لله -عَزَّ وجَلَّ-، فإن أهلَ الإيمانِ يُخاصِمُون لله -عَزَّ وجَلَّ-، أي: لِحَقِّهِ -عَزَّ وجَلَّ-، فلا ينتقمون لأنفسهم ولا يغضبون لها، كما كان رسول الله -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- لا ينتقمُ لنفسه، ولا يَغضَبُ لنفسِه، كما قالت عائشةُ -رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْها-: "مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ" (رواه البخاري) ، وكما قال أنس -رَضِيَ اللهُ عَنهُ-: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلاَ: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلاَ: أَلا صَنَعْتَ" (متفق عليه) . وفي رواية لأحمد بسندٍ صحيح: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ فَتَوَانَيْتُ عَنْهُ أَوْ ضَيَّعْتُهُ فَلامَنِي، فَإِنْ لامَنِي أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلا قَالَ: ( دَعُوهُ، فَلَوْ قُدِّرَ -أَوْ قَالَ: لَوْ قُضِيَ- أَنْ يَكُونَ كَانَ ).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلا امْرَأَةً، وَلا خَادِمًا، إِلا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ، إِلا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-" (رواه مسلم) .
وكذلك كان لا يُضرب الناس بيْن يديه -صلى الله عليه وسلم-، فعن قدامة بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ صَهْبَاءَ، لا ضَرْبَ، وَلا طَرْدَ، وَلا إِلَيْكَ إِلَيْكَ" (رواه أحمد والنسائي وابن ماجه، وصححه الألباني) . أي: لا يُدفع الناس عنه، ولا يُبعدون، ولا يُقال لأحدهم: قف عندك، لا تتقدم! وإنما ركب النبي -صلى الله عليه وسلم- الناقة؛ لأن الناس لقوه وغطوه، ومنعوه مِن الطواف والسعي والحركة، فكان لا يُضرب الناس بيْن يديه -صلى الله عليه وسلم-.
فهكذا كان أنبياء الله -عز وجل- لا يَنتصِرون لأنفسهم، وإنما ينتقمون لله -عز وجل-، ويعفون في حظوظ أنفسهم، وبهذا أحبهم الناس، وبهذا قذف الله في قلوب الناس تعظيمهم، ولا تظن أن مَن لم ينتقم لنفسه ضاعتْ حقوقه، بل الله يحفظها ( فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) (يوسف:64) .