(اللهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) (1)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وأنتَ إذا سامَحْتَ في حقِ نفسِك، وفَّى اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- لك حَقَّكَ كاملًا موفورًا مِن عِندِه، فإن مَن عفا وأصلح فأجرهُ على الله -عَزَّ وجَلَّ-، كما قال -تعالى-: ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ) (الشورى:40) ، فإذا عفوتَ عمّن آذاك، وأحسنتَ إلى مَن أساء إليك، وأعطيتَ مَن حرمك، ووصلتَ مَن قطعك، فقد أخذتَ بالمكيالِ الأوفى، وصرتَ مُخاصمًا لله -عَزَّ وجَلَّ- دون أن تُخاصِمَ لنفسِك.
وهؤلاء الذين يُحسِنون إلى مَن أساء إليهم ويَصِلُون مَن قطعهم؛ إنمّا يوفرون انتقامَهُم وغضبهم لانتهاك حُرُمات الله -عَزَّ وجَلَّ-، فنجدهم يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، ويغضبونَ إذا انتهكتْ حُرُمات اللهِ، ويغيظهم ذلك، وإنما ينتصرون لله -عَزَّ وجَلَّ-، وهم في ذلك مستعينين به، وكل ذلك ثمرة الإسلام والإيمان والتوكل والإنابة.
وأمَّا مَنْ ينتصرُ لنفسِه فَقَلْبُه لم يُنِبْ بَعدُ، ولم يرجعْ إلى الله -عَزَّ وجَلَّ-، ولم يحققْ كمالَ الإسلامِ، ولم يحققَ كمالَ الإيمانِ، ولم يحققَ حقيقة التوكل على الله -عَزَّ وجَلَّ-.
ثم لا بد أن يكون الإنسان في مخاصمته واختلافه مع خصومه وأعدائه، أن يُحاكمهم إلى أمرٍ ثابتٍ؛ فيحاكمَ إلى الله -عَزَّ وجَلَّ-، فلذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ).
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ):
ومن يُحاكمُ إلى شرع الله -عز وجل-، بمعنى: أن يَطلُب مِن خصمه أن يتحاكما إلى شرع الله -عز وجل- فيحكُمَ الله بينهما بحكمه الشرعيّ المُنزّل على رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلا يحاكِمُ إلى أهواءِ النفوسِ، ولا إلى آراءِ الرجالِ، ولا إلى شهواتِ الأبدانِ؛ لا يحاكمُ سياساتِ العقولِ الفاسدةِ، ولا إلى تقليد الأسلاف والأجداد؛ فضلًا عن غيرهم مِن أصحاب زبالات الآراء والأذهان، الذين وضعوا الشرائعَ المخالفةَ لشرع الله -عز وجل-!
ولذا كانت هذه القضية قضية أساسية في حياة المؤمن، فهي مرتبطة بإسلامه وإيمانه وتوحيده، بل هي جزء من هذا الإسلام والإيمان: قال الله -تعالى-: قال الله -تعالى-: ( فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) ، وقال -تعالى-: ( أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا ) (الأنعام:114) .
وذلك أنهم يُحكِّمون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ . أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (المائدة49-50) .
فهي قضية في حياة المرء المسلم في كل أموره، ومع كل اختلافٍ يقع بينه وبيْن غيره، كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً . أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا . وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا . فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا . أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا ) (النساء:59-63) .
وجعل الله -عز وجل- مَن يريد التحاكُمَ إلى العاداتِ والتقاليدِ أو إلى ما وضعه الكبراء والأسلاف دون رجوعٍ إلى شرعه -سبحانه- مسارعًا في الكفر، فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:41) .
وقد جَمَعَ اللهُ المنافقينَ واليهودَ في هذا الوصف؛ لأنهم مشتركون فيه؛ وهو ما سنعَرِضُ له في مقالٍ قادمٍ -بإذن الله تعالى-.