(اللهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) (2)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق أن الله -عَزَّ وجَلَّ- جعل مَن يريد التحاكُمَ إلى العاداتِ والتقاليدِ، أو إلى ما وضعه الكُبَراءُ والأسلاف دون رجوعٍ إلى شرع الله -عَزَّ وجَلَّ- مُسارعًا في الكفرِ، فقال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (المائدة:41) .
وقد جَمَعَ اللهُ المنافقينَ واليهودَ في هذا الوصف؛ لأنهم مشتركون فيه؛ فهم الذين يُسارِعون في الكُفر بعَدَمِ تحكيمِ شرعِ اللهِ -عَزَّ وجَلَّ-، فإنها نزلت في اليهود لما بَدَّلُوا حكم الرجم -لكثرة الزنا في أشرافهم-؛ فتَرَكوا ما أَمَر اللهُ -عَزَّ وجَلَّ- في التوراة من الرَّجْم، ولا زال الرجم للمُحْصَن الزاني في التوراة والإنجيل إلى يومِنا هذا، ولكنهم تركوا ذلك وبَدَّلُوه إلى عقوبة أَخَفّ هي: الجلد والتحميم، وأن يُفْضَحَا، بأن يُطَاف بهما في الطرقات على حِمَارَين مَقلوبَين!
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِيَ بِيَهُودِيٍّ وَيَهُودِيَّةٍ قَدْ زَنَيَا، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى جَاءَ يَهُودَ، فَقَالَ: ( مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى؟ ) قَالُوا: نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا، وَنُحَمِّلُهُمَا، وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا، وَيُطَافُ بِهِمَا، قَالَ: ( فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ )، فَجَاءُوا بِهَا فَقَرَءُوهَا حَتَّى إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ الرَّجْمِ وَضَعَ الْفَتَى الَّذِي يَقْرَأُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَقَرَأَ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَمَا وَرَاءَهَا، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ: وَهُوَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُرْهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَهُ، فَرَفَعَهَا فَإِذَا تَحْتَهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَرُجِمَا، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ بِنَفْسِهِ. (رواه البخاري ومسلم والسياق له) .
فاليهودُ لم يكونوا قد بَدَّلُوا ألفاظ آيةِ الرجم أو حروفَها في التوراة، وإنما تَرَكُوا حُكمَها وشرعوا شريعةً أُخرى خِلافَ حكمَ التوراة، فهذان اثنان مِن الخمسة الذين رجَمَهُم رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في حياته، اثنان منهم من اليهود حكمَ فيهم بحُكْمِ القرآن الموافق لحكم التوراة، الذي ما نَسَخه الله -عَزّ وَجَلَّ- في توراةٍ ولا إنجيلٍ ولا قرآن، حتى وُجِد مَن يؤمن بلسانه ولم يؤمن قلبُه مِن الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ففعلوا مثل ما فعل اليهودُ قديمًا! قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) (المائدة:41) ، فكان التحريف أن ينسبوا إلى شرع الله -عز وجل- ما ليس فيه بالرغم أنهم أبقوا كتاب الله -عز وجل- على ما هو عليه.
فليس التحريف فقط في تغيير الرسم أو تغيير الألفاظ والحروف، وإنما كذلك في نسبة ما ليس في الشريعة إليها، فإن في ذلك نقضًا لقول المؤمن متابعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ ).
( يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا ) أي: الجلد والتحميم ( فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ) تجد صفات واحدة متكررة عبْر الأزمنة والأمكنة، يسمعون الكذب ويأكلون السحت، وهي الرشوة والربا، وكل ما حرم الله -عز وجل- داخل في ذلك.
( فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ . وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (المائدة:42-44) ، إلى أخر الآيات الكريمات التي تبيِّن لزوم الالتزام بالتحاكم إلى شرع الله -عز وجل-؛ لتتحقق للعبد الإيمان، نسأل الله -عز وجل- الهداية والتوفيق إلى ما يحب ويرضى.