شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(اللهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) (2)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ): يبيِّن غاية المخاصمة، وهي أنها تقف وتنتهي عندما يقبل الناس التحاكم إلى دين الله -عز وجل-، ويلتزمون به، فهنا تزول الخصومة، وهنا يكونون إخواننا في الدين.

وأما من أبَى ذلك فإنه على وصف الكفر والنفاق، وإن كان مِن ذلك ما يكون منه كفر أكبر ينقل عن الملة، ومنه ما هو كفرٌ دون كفرٍ إذا كان مقرًّا بشرع الله -عز وجل-، مقرًّا على نفسه بالذنب، غير آبٍ لشرع الله -عز وجل-، ولا رادٍّ له، ولا ملزِمٍ بالتحكيم والتحاكم إلى غير شرع الله -عز وجل-.

ويجب التنبيه هنا أيضًا: إلى أن هذا في الحكم العام، وأما فيما يتعلق بحكم رِدَّةِ شخصٍ بعينِه فلا بد مِن استيفاء الشروط وانتفاء الموانع حتى تثبُتَ الحُجَّة، فإن الله -عَزّ وَجَلَّ- لا يعذِّب أحدًا إلا بعد قيامِ الحُجَّة.

والحُجَّةُ مِن كتاب الله -عَزّ وَجَلَّ- بَيِّنَةٌ، تُبَيَّنُ لمَن خالف شرع الله -عَزّ وَجَلَّ- وتُوَضَّحُ له، وتُزالُ الشبهاتُ وتُنفَى المعاذير، مِن إكراهٍ، أو جهلٍ، أو تأويلٍ، أو غير ذلك مما قد يقعُ فيه بعضُ مَن يقعُ في هذا الذي نهى الله -عَزّ وَجَلَّ- عنه، وحَذَّر منه النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِن تحريف الكَلِمِ عن مواضعه لتبديلِ شرع الله -عَزّ وَجَلَّ-.

وإقامةُ الحُجَّة وإزالةُ المعاذير لأهلِ العلم، وليس ذلكَ لآحاد الناس الذين لا يعرفون ما يسوغُ مِن التأويل وما لا يسوغ، وما المَقبولُ مِن أنواع الجهل وما المردودُ، وما يُعذَرُ فيه وما لا يُعذَرُ، وما الذي يُعَدُّ إكراهًا مُعتَبرًا وما لا يُعَدُّ كذلك، فأهل العلم هم الذين يبينون ذلك وهم الذين تُوكَل إليهم هذه الأحكام، وكذا أهل القضاء بشرع الله -عَزّ وَجَلَّ-.

وأما الذي ينشغلُ به المؤمنُ فهو ما يخصه مِن ذلك في حياتِه كُلِّها، فهو دائمًا يُحَكِّمُ شرعَ الله -عَزّ وَجَلَّ-، ويُحاكِم إلى الله -عَزّ وَجَلَّ-، إلى كتابه وإلى سنة رسوله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ويدعو غيره كذلك إلى هذا الأمر، ويلجأ إلى أهل العلم، ليحكموا بينه وبيْن مَن خالفه، بشرع الله -عَزّ وَجَلَّ-، أو يفتوا له بما يستحِقُّ شرعًا فيطالبُ به غيرَه ولو كان ممَن يحكُم بغير شرع الله -عَزّ وَجَلَّ-.

وليس الأمر مقتصرًا على الخصومات التي تصل إلى القضاء أو غير ذلك، بل في كل مسالةٍ وقع فيها اختلاف بيْن البشر، فيما يتعلق بالعقائد والتصورات، أو فيما يتعلق بالقلوب وأحوالِها ومنازِلِها، أو فيما يتعلق بالأعمال والعبادات، أو فيما يتعلق بالمعاملاتِ، فكل مسألةٍ وقع فيها اختلافٌ يكون حالُ المؤمن مع لسانه قائلًا: "اللهُمَّ بِكَ خَاصَمْتُ، وإِلَيْكَ حَاكَمْتُ".

والمؤمن في تحاكُمِه باذلٌ جهدَه، مُستفرغٌ وُسْعَه في أن يُحاكِم نفسَه وخَصْمَه ومُخالفيه في كل شيءٍ؛ في مسائل الاعتقاد والإيمان، وفي مسائل الأعمال والمعاملات، وفي مسائل القلوب وأحوالها ومنازلها، وفي مسائل السلوك والأخلاق، وفي المواقف مِن الأحداث التي تقع حولَه، إلى شرع الله -عَزّ وَجَلَّ- وكتابه، وسُنَّةِ نبيِّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإجماعِ أهل السُنَّة، وما يتفرَّع على هذه الثلاثِ مِن قياسٍ صحيحٍ أو مصلحةٍ مُعتَبَرةٍ، أو غير ذلك مِن مصادر الأدلة التي يُعرَفُ بها حُكْمُ الله -عَزّ وَجَلَّ-، الحكم العدل الذي أخبر به على ألسنة رُسُلِه: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) (يوسف:40) .

وإنه لمَن الشَّرَفِ للمرء -عند الله وعند اللذين آمنوا- أن تكون تهمتُه وعقوبتُه هي أنه يُحاكِم إلى الله -عَزّ وَجَلَّ- دون حكم الجاهلية، وإنه لينبغي أن يستَصغرَ ما يصيبه مِن البلاء مع عظم هذه النعمة، وإن كان المرء ضعيفًا عاجزًا، قليلَ الصبرِ، فاللهُمَّ لا تُحَمِّلنا ما لا طاقة لنا به، وارزقنا العافيةَ في الدين والدنيا والآخرة.

هذا، ولم يزلْ أهل العلمِ يصيبُهم البلاءُ والمِحْنَةُ بسببِ هذه المسألةِ، وإنَّ قيامهم بها هو مِن شكرِ الله -عَزّ وَجَلَّ- على نعمةِ العلمِ، وإذا رأى المرءُ غيرَه- ممَن هو أقلُّ منه رزقًا في العلمِ والفهمِ- يتحمَّلُ أضعافَ ما يتحمَّلُهُ مِنَ البلاءِ؛ فلا بد أن يلومَ نفسَه على تقصيرِها وجَزعِها واستعجالِها.

فالمؤمنُ متوكلٌ على الله -عَزّ وَجَلَّ- مستعينٌ بالله -عَزّ وَجَلَّ-، يُحاكِمُ إلى شرع الله -عَزّ وَجَلَّ-، وهو في ذلك مُستحضِرٌ وقوفَه بيْن يديِ الله -عَزّ وَجَلَّ- غدًا، فهذه الدنيا سرعانَ ما تزول، وسرعان ما تذهبُ، ولذا كان في تكملةِ هذا الدعاءِ العظيم: ( أَنْتَ رَبُّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ).

الصفحة السابقة