(لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تَعَوَّدَ الناسُ أن يجعلوا ذكرى مرور السنين والأيام والشهور سببًا لِلَّهُوِ واللَّعِب، وفِعْلِ المحرمات والفواحش، مِن خمرٍ وزنا، أو اختلاطٍ مُحَرَّمٍ وغناءٍ تُكْشَف فيه العورات، وتُستَعْمَل فيه الآلات؛ مما لا يشك عَالِمٌ في تحريمه، وإن جادَلَ البعضُ في حُرْمَةِ المَعازِف والغناء لو خلا عن مِثلِ هذه المحرمات، وهو لا يوجد في الواقع إلا مقترنًا بها -عبْر الأزمنة-!
مع أن الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- قد جعل مرورَ الليل والنهار والأسابيع والشهور دليلًا لِكُلِّ عاقلٍ وكل ذي لُبٍّ على أن عمره كذلك ينتهي، وأنه يقترب من لقاء الله -عَزَّ وَجَلَّ- الذي هو آتٍ لا محالة؛ وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يستشعر ذلك المعنى حين يقول في أذكار الصباح والمساء ما يدل على ذلك فيقول: ( اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا، وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
ونحن -لا شك- نحتاج إلى أن نتدبر هذه المعاني؛ فإن ما بيْن لحظةِ ولادَتِنا على وجه الأرض ولحظةِ رحيلِنا تكون هذه الحياة التي يجب علينا أن ندرك فيها أننا عَبِيدٌ مقهورون لله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، فقراء إليه، لا غنى لنا عنه طرفة عين: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) (فاطر:15-16) .
أَتَيْنَا مِن غير أن نُسْتَشَار أو نَطْلُب؛ بل وَهَبَنا اللهُ الحياةَ، وكذلك نرحلُ عنها مِن غير أن نُسْتَشَار أو نَطْلُب؛ إنما نُؤخَذُ قهرًا: ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (الأنعام:18) .
كَم مِن أُنَاسٍ قرؤوا هذه الآيات وكانوا يعيشون على وجه الأرض ثم رَحَلوا وذَهَبَ اللهُ بِهِم، وأتينا نحنُ -الخَلْق الجديد-، ثم يُوشِكُ بعد مرور الزمن أن نرحَل، ويأتي خَلْقٌ جديد آخرون؛ فالواجب على الإنسان أن يتفكر في بدايته ونهايته، ليَعْلَم عَجْزَه وفَقْرَه وضَعْفَه وحاجَتَه لله -عَزَّ وَجَلَّ-.
أكثر الناس لا يستشعر ذلك فيما بين ولادته ونهايته، لا يستشعر أنه فَقِيرٌ، بل يرى نفسَه مستغنيًا؛ فيطغَى ويتكَبَّر ( كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (العلق:6-7) ، حين يرى نفسَه مُسْتَغْنِيًا، له قوة وإرادة وقدرة، وله أمر ونهي، وله أتباع وأشياع وخَدَم، ومال وأهل وولَد؛ يرى نفسه مُتَصَرِّفًا وهو في الحقيقة مُمْتَحَنٌ؛ هو عَبْدٌ مملوك في صورة مَلِكٍ مُتَصَرِّف؛ وكم مِن أناسٍ كانوا قد ملئوا الدنيا سَمْعًا وبَصَرًا، أَتَاهم الموتُ في لحظةٍ؛ ليدلّنا ذلك الأمرُ على الموعظة، ويدلنا أننا عبيدٌ لا نَمْلِكُ مِن أمر أنفُسِنا ولا غَيْرِنا شيئًا.
إن الناس لا يدرون مِن أين يأتيهم الشقاء؟!
ومِن أين يأتيهم الألَم؟!
ومِن أين يأتيهم الحزن؟!
ويظنون أن ذلك مِن نقصِ المالِ، أو مِن نقص الرياسة، أو مِن نقص الأتباع والأشياع، والمُلْكِ والسلطان، أو مِن نقصٍ في اللذة الجنسية، أو من نقص ما يريدون مِن المَأكَل والمَشْرَب والمَرْكَب؛ فيسعون وراء ذلك، ومع ذلك فلا يجدون ما يَسُدُّ ذلك الشقاء ويُذهب ذلك الحزن؛ لم يجدوا ما يَسُدُّ حاجةً حقيقيةً في قلب الإنسان وهي الفقر إلى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فلذا يبحثون عن مزيدٍ مِن اللذة المُسْكِرَة لكي يَسْكُنَ ذلك الألم ويذهب ذلك الحزن، ولكن سرعان ما يعود! ( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (الحِجْر:72) ، قال الله -تعالى-: ( فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ ) (المؤمنون:54) ؛ فهي سَكْرَةٌ وغَمْرَةٌ، تَغْمُر وتُسْكِرُ وتُسَكِّن -مؤقتًا- أَلَمَ القلب، يعود بعدها القلب جائعًا عطشان، مشتاقًا لشيءٍ لَم يُعْطَ مِنه حاجَتَه!
وأكثرُ الناس تموتُ قلوبُهم -بسبب كُفرِهم-؛ لأنهم لم يُعطُوهَا حاجَتَها مِن الافتقار إلى الله، والتوَجُّه إليه، وإرادة وجهِه، وابتغاء ثوابِه وطلب فضلِه، والخوف منه، والتوكل عليه، والزهد في الدنيا، وابتغاء ما عنده -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وشُكْرِ نِعَمِه، والصبر على بلائه، والاستغناء به -عَزَّ وَجَلَّ- عن الناس، والفرح بفضله ورحمته ( قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) (يونس:58) .
كل هذه العبادات غذاء القلب، والقرآن يتضمنها؛ لذا كان القرآن غذاءً للقلوب، وشفاءً لها مِن أمراضها التي تسبب أَلَمَها، وما أعظم منة الله -عَزَّ وَجَلَّ- على عبادِه المؤمنين.
فإذا تَأَمَّلْنا مِنَّتَه على رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه كان يستغني بهذا الغذاء أيامًا وليالي مِن غير طعام ولا شراب؛ عَلِمْنا كيف يكون ذِكْرُ اللهِ والقرآن العظيم، والصلاة وأنواع العبادات غذاءً للقلب وحياةً له؛ كان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُواصِلُ ويقول: ( إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ) (متفق عليه) ، ومِن شَفَقَتِه -صلى الله عليه وسلم- نهاهم عن الوصال؛ لأنه ليس لهم مِن الأحوال ما عند رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ولكن شُرع الصيام حتى لا يتحكم في الإنسان طعامُه وشرابُه وشهوتُه، بل هو يتحكم فيها، ويكون أعلى قدرًا مِن أن تتحكم فيه هذه الرغبات، وهو عبدٌ لله، ليس عبدًا لِشَهْوَتِه، ليس عبدًا لِهَواه، ولا لِمَالِه، ولا لتلك الأوضاع والعادات والتقاليد.