شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

(لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

مِن هنا كان المؤمنون -في الدنيا قبْل الآخرة- لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ؛ الناسُ يظنونهم في حزنٍ وفي كربٍ -إذ حَرَمُوا أنفسَهم مِن الشهوات المُحَرَّمة- وهم في حقيقة الأمر قد حصل لهم مِن قربهم مِن الله ما سعدوا به ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (يونس:62-64) .

وهذا الفوز العظيم هو بالقرب مِن الله -عَزَّ وَجَلَّ-، والفوز برضوانه يوم القيامة، وبالنظر إلى وجهه، ولهم في الدنيا نصيبٌ مِن هذا النعيم بالشوق إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- وحُبِّه ورجاء لقائه ( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (العنكبوت:5) .

وبهذا يفرحون فرحًا لا يعرفه الناس، ويسعدون سعادةً ليس مِن جنس ما يبحث عنه الناس ويشعرون به مِن سعادةٍ مؤقتةٍ هي مِن جنس سعادة الأجرب إذا حَكَّ جلده وقطعه فيخفف أَلَمَ الجَرَب للحظاتٍ قليلةٍ ثم يعود الأَلَمُ أكثر مما كان وقد تمزَّقَ الجِلْد! هم يفعلون ذلك في قلوبهم ولا يشعرون إلى أن تموت القلوب! ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأنعام:122) .

إن هذه السعادة -التي يشعر بها أهل الإيمان- واللذة هي التي تسهِّل عليهم بَذْلَ النفوس والأموال والأولاد، والهجرة مِن أوطانهم في سبيل الله -عَزَّ وَجَلَّ-؛ يُقَدِّمُونَ ذلك راضين فَرِحين، مستبشرين بما يسر الله لهم بها، وبما وجدوا مِن حلاوة الإيمان والشوق إلى لقاء الرحمن؛ لا يرون الدنيا -كما هي عند الناس- عظيمةً كبيرةً يُقْتَتَلُ مِن أجلها، بل يرونها كما هي عند الله -أو قريبًا مِن ذلك- لا تساوي عند الله جناح بعوضة!

إننا نحتاج إلى تَذَكُّر هذه المعاني في صراعنا المُرِّ مع أعداءِ أُمَّتِنَا؛ لأننا لن ننتصر عليهم إلا إذا أَيْقَنَّا بلقاء الله، ورأينا الدنيا كما هي عند الله -عَزَّ وَجَلَّ- صغيرةً تَافِهَةً حقيرةً لا تساوي شيئًا؛ ولذلك فإننا نبذل مِن أجل الدين، ونضحي في سبيل الله -عَزَّ وَجَلَّ-، ونتحمل الغُرْبة، بل نجد فيها اللذة، فـ"طوبى للغرباء" قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاء ) (رواه مسلم) .

قد يظن الناس أنهم يُحاصِرون أهلَ الإيمان ويضيقون عليهم ليُضعِفُوا شأنَهم، والحقيقة أنهم لا يُدْرِكُون قَدْرَ الخيرِ الذي ساقُوه لهم وهم يريدون بهم الشر!، فـ"طُوبَى": حُسْنَى وسعادة وارتياح، مع البذل في سبيل الله، والدعوة إلى الله، والسعي في إصلاح الأرض بهذه الشريعة بأن تعلو عليها كلمة الله.

في حين أن الكفار وهم قَبْلَ النارِ في نارٍ، ولو لم يكن عذابُهم إلا حِجاب قُلوبِهِم عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- لكفى به عذابًا في الدنيا، ولكنهم أضيف لهم إلى ذلك حَرّ النار، وضيق القبور، وعذاب النشور، والحجاب عن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يوم القيامة: ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ . ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ ) (المطففين:15-16) ، حُجِبَت قُلُوبُهُم فَشَقِيَت في الدنيا، وحُجِبَت أعينُهم عن الله فلم تره -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- حين رآه المؤمنون في جنة الخلد.

سبحان الله الذي فَاوَتَ بيْن البشر في أرزاقهم؛ ليس فقط فيما أُعْطُوا مِن هذه الدنيا، بل الأعظم في تفاوت القلوب والأعمال وما يترتب عليه هذا التفاوت مِن التفاوت في الآخرة بيْن أعلى درجات النعيم في الفردوس الأعلى وبين أسفل دركات الجحيم مع كل شيطان مَرِيدٍ مع الكفرة والمنافقين ( انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا ) (الإسراء:21) .

الكفارُ أمواتٌ لا يَشعرون؛ ماذا يطلب مجتمعهم؟ إنه يطلب الشهوات والمال، ويجري وراء كل دَنَاءَةٍ وحَقَارَةٍ، يطلبون العلو والفساد فيَشْقَون بذلك أعظم الشقاء!

هم يريدون أن يجعلوا هذه القِيَم الخبيثةَ -التي هي العُلُوُّ والفساد- تسيطرُ على العالَم، ويريدون أن يفرضوا ذلك علينا كمنهاج حياة، ويحاولون اختراق مجتمعاتنا بكل وسيلة؛ لا يريدون إلا أن يعيش الناس يتكلمون ويتفكرون ويسمعون ويشاهدون أن فُلانًا يحب فُلانَة، وأن فُلانًا يقتل فُلانًا، وفلانًا يمكر بفلانٍ مِن أجل أن يكون له الملك والرياسة، وأن الدولة الفُلانية تعمل على إذلال الدولة الأخرى وتدميرها واختراق مجتمعها لتنشر فيها أنواع الذُلِّ والهَوَان ليستَعْبِدوهم لمصالحهم وشهواتهم الدنيئة.

ولذلك إذا ملأت المنكرات والفواحش الدنيا كان ذلك عذابًا، قال الله -عز وجل-: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النور:19) ، تَأَمَّلْ: عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا، ثم ذَكَرَ الآخرة!

لو تَأَمَّلَ مُتَأَمِّلٌ حياتَهُم وكيف يعيشون في مجتمعاتهم، وقد نقلوا جزءًا منها إلى بلادِنا، وصار أناسٌ يفتخرون أن قطعًا مِن بلادنا صارت أجزاءً مِن أوروبا في بعض الأيام والليالي، من تَأَمَّلَ ذلك -أو عَاشَ فيها- رأى أقبح مما في مجتمعات البهائم والوحوش؛ وما يفعلونه أمام أعيننا يدل على أنهم أحط مِن هذه الوحوش! ( أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) (الأعراف:179) ، ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) (الفرقان:44) ، حياتهم نَكَدٌ وشقاءٌ وفظائع، وظلمٌ وعدوانٌ وقذارةٌ ونجاسةٌ؛ ونعوذ بالله أن يرضى المسلمون بأن تكون هكذا حياتهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية