"هيكل سليمان"... حقيقة أم خيال؟!
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تم بناء المسجد الأقصى بعد بناء الكعبة بأربعين سنة، كما جاء في الحديث عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: ( الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ) قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى ) قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: ( أَرْبَعُونَ سَنَةً ) (متفق عليه) .
والكعبة بناها إبراهيم مع ابنه إسماعيل -عليهما السلام- في مكة، وهي جهة القبلة التي يحج إليها الناس مِن عهد إبراهيم -عليه السلام- إلى اليوم، والمسجد الأقصى بناه إبراهيم مع يعقوب -عليهما السلام-، أو بناه يعقوب -عليه السلام- في أرض الله المباركة "القدس".
ومما لاحظه بعض الدارسين:
1- وجود التشابه بيْن بناء الكعبة وبناء المسجد الأقصى مِن جهة النسب الهندسية، فالكعبة أضلاعها الأربعة غير متساوية، فهي شكل رباعي شبه منحرف، طبقًا لمقاسات الكعبة الأصلية التي يدخل فيها حجر إسماعيل -عليه السلام- ضمن بنيان الكعبة، والنسبة المتوسطة بيْن حائط الكعبة بيْن الركنين الأسود واليماني إلى حائط الكعبة ما بيْن الركنين الأسود والعراقي هي 1: 1.6، وهي توافق تقريبًا ما يسمَّى بالنسبة الذهبية في البناء، وهي تساوي 1: 1.618، والتي سميت بهذا الاسم؛ لكونها أكثر نسبة هندسية مريحة للعين مِن الناحية البصرية والجمالية.
والمسجد الأقصى أيضًا مختلف الأضلاع، شبه منحرف، والنسبة ما بيْن الضلع القبلي إلى الضلع الشرقي للمسجد هي: 1: 1.67، وهي توافق تقريبًا النسبة الذهبية كما هو الحال في بناء الكعبة، وهذا التشابه بيْن البنائين مع تباعد المكان والزمان، يشعر بالترابط بيْن البنائين.
2- إنه بتحديد المحور الرئيسي للجهة التي يتوجه إليها السور الجنوبي للمسجد الأقصى مِن خلال برنامج (جوجل إرث)، وبرنامج تحديد اتجاه القبلة (قبلة لوكاتور) باستخدام صور الأقمار الصناعية؛ اتضح أن المحور الرئيسي للمسجد الأقصى (الجامع القبلي) يتجه نحو اتجاه الكعبة، أي أن الكعبة هي قبلة المسجد الأقصى منذ بنائه الأول.
ومِن المعلوم: أن المسلمين عندما فتحوا مدينة بيت المقدس، كانت أسوار المسجد موجودة، وكانت تعد تحديدًا للمسجد الذي كان موجودًا مِن قبْل، والتي يرجع بنائها -أي الأسوار- إلى ما قبْل ميلاد المسيح -عليه السلام-، وهو ما كشفتْ عنه حفريات (تشارلز وارين) عام 1867م، تحت رعاية هيئة تمويل التنقيب عن آثار فلسطين، والتي تأسست عام 1865م.
3- تبيَّن أن المحور الرئيسي للمسجد الأقصى ينحرف حوالي 11.81 درجة عن اتجاه القبلة الحقيقي في القدس، ولما كان محيط الكرة الأرضية يساوي 360 درجة فيكون انحراف المحور الرئيسي للمسجد عن اتجاه القبلة الحقيقي = 11.81/ 360 = 3 % تقريبًا، وهذا انحراف ضئيل جدًّا وغير مؤثر، خاصة في أن زمن البناء مِن قرونٍ طويلة (راجع في ذلك: القدس بيْن الحق الإسلامي والمزاعم الصهيونية، ط.المجلس الأعلى للشئون الإسلامية العدد 186- رسالة: (المسجد الأقصى أم الهيكل المزعوم؟) د. يحيى وزيري، ص:162-182) .
أما هيكل سليمان -عليه السلام-، والذي كان ينبغي أن يكون تاريخه ووصفه واتجاهه هو تاريخ ووصف واتجاه المسجد الأقصى، فقد وَضعَ اليهود له -مِن خلال كتبهم التي يقدسونها والروايات التي يرونها- تاريخًا ووصفًا خاصًّا بهم، لكن يبقى مكانه غير معروف، وآثاره ليس منها أي أثر باقٍ!
وبالنظر إلى ما ورد عن الهيكل عند اليهود في كتبهم فيما يتعلق ببناء الهيكل ووصفه، فنجد الاضطراب والمبالغة، ونلمس الشطط والمخالفة مقارنة بما هو معلوم مِن حقائق تاريخية عن المسجد الأقصى، بما يشير إلى ما وقع عند اليهود مِن التحريف حول المسجد الأقصى حتى صار الهيكل غير المسجد جملة وتفصيلًا، ليبقى المسجد حقيقية تاريخية، والهيكل وهمًا وخيالًا.
وورد وصف هيكل سليمان -الهيكل الأول- مِن حيث وقت بنائه ومقاساته ومساحته الكلية، والمواد المستخدمة، والعمال المشتركين في بنائه في التوراة (العهد القديم) في:
1- سفر الملوك الأول: مِن الإصحاح 5-8.
2- سفر الملوك الثاني: الإصحاح 25.
3- سفر أخبار الأيام الثاني: الإصحاح 2-4.
4- سفر النبي حزقيال: الإصحاح 40-42.
بينما ورد ذكر إعادة بناء الهيكل الثاني بعد العودة مِن السبي البابلي، في سفر "عزرا" في الإصحاح 3، والإصحاح 6، ولكن دون ذكر أوصاف مفصلة للبناء؛ إلا إشارة تتعلق بمقاسات أساس الهيكل الثاني، وعدد صفوف الحجارة المستخدمة فيه.
نظرة على هيكل سليمان -عليه السلام- في التوراة:
ومِن مراجعة النصوص المذكورة تظهر صور عديدة مِن الاختلاف والاضطراب حول وصف الهيكل، وكيفية بنائه مع ما فيها مِن المبالغة والتهويل، وهي أمور تفقد هذه النصوص الكثير مِن مصداقيتها، ومنها:
1- في سفر الملوك الأول، الفصل الخامس، الفقرتين: 15 -16، ورد: أن عدد الوكلاء والرؤساء المشرفين على العمال في بناء الهيكل 3300 وكيلًا، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثاني، الفقرة 2 والفقرتين 17 -18، أن عدد هؤلاء الوكلاء 3600 وكيلًا، بفارق 300 وكيلًا، وهذا خلل يتعلق بحدثٍ واحدٍ.
2- وورد في سفر الملوك الأول، الفصل السادس في الفقرتين: (2 -3) أن: ارتفاع الهيكل 30 ذراعًا (أي: حوالي 15 مترًا)، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني الإصحاح الثالث في الفقرة 3 أن ارتفاع الرواق الذي أمام الهيكل ويعد المدخل المؤدي إليه 120 ذراعًا (أي حوالي 60 مترًا)، وهذا يعد تناقضًا معماريًّا وهندسيًّا، أن يكون ارتفاع مدخل الهيكل أربعة أضعاف الهيكل نفسه، فهذا يتنافى مع المتعارف عليه في كل المباني الأثرية القديمة، ويجعل شكل الهيكل غير جذاب.
وقد أدى هذا إلى التناقض في رسومات الهيكل كما تخيله مَن رسموه، فالبعض جعل الرواق أمام الهيكل مساويًا لارتفاع الهيكل نفسه، أو أقل منه ارتفاعًا ليكون أكثر قبولًا وجاذبية، وهناك مَن رسمه حسبما ورد، أي ارتفاع الرواق أعلى كثيرًا مِن ارتفاع الهيكل.