"هيكل سليمان"... حقيقة أم خيال؟!
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
2- ورد في وصف العمودين الموجودين أمام رواق الهيكل (مدخل الهيكل) في سفر الملوك الأول، الإصحاح السابع الفقرات: (15 -21) أن: طول العمود الواحد 18 ذراعًا، وفوقه تاج طوله خمسة أذرع، بينما في سفر الملوك الثاني، الإصحاح الخامس والعشرين، الفقرات 8 -17، أن طول العمود 18 ذراعًا، وأن طول التاج ثلاثة أذرع وليس خمسة أذرع، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثالث، الفقرات 15- 17، أن طول العمود 35 ذراعًا، وطول التاج خمسة أذرع، وهذا تناقض في وصف الطول كبير، لا يتغاضى عنه إلى جانب الاختلاف في وصف التاج.
وقد انعكس ذلك على رسومات الهيكل، فرسم البعض العمودين كما هو منصوص عليه، أي أمام الرواق، ورسمه البعض وقد جعل العمودين منصوبين فوق سقف الرواق ليكون ارتفاع العمود يشمل طوله (18 ذراعًا) مضافًا إليه ارتفاع سقف الرواق فيتفق مع ما ذكر مِن كون ارتفاع العمودين 35 ذراعًا، مع ما فيه مِن مخالفة لما ورد في سفر أخبار الأيام الثاني أن العمودين أمام الهيكل لا فوق سقف الرواق.
3- ورد في سفر الملوك الأول الإصحاح السابع الفقرات 23 - 26، وفي أخبار الأيام الثاني الإصحاح الرابع الفقرتين 2 -3، في وصف الحوض الدائري المستدير الذي يغتسل مِن مائه الكهنة أمام الهيكل أن طول الحوض مِن شفته إلى شفته -أي قطره-: عشرة أذرع، وأن خيطًا يحيط بالحوض، أي يمثـِّل محيط الحوض، طوله 30 ذراعًا.
وعند التدقيق نجد أن المحيط = 2ط نق، حيث نق = ½ قطر الحوض = 5 أذرع، ط مقدار ثابت = 22/7، فيكون المحيط بالضبط = 31.4 ذراعًا، بزيادة 1.4 ذراعًا عما ذكر. وقد ورد أيضًا في سفر الملوك الأول ( 7/ 26) أن الحوض يسع ألفي بثا ( البث: وحدة قياس للحجم)، بينما ورد في أخبار الأيام الثاني (4/ 5) أنه يسع ثلاثة آلاف بثا، فهذا الاختلاف في السعة تناقض آخر في تقدير سعة الماء التي يسعها نفس الحوض.
4- ورد في سفر الملوك الأول، الإصحاح التاسع (الفقرة 28) أن: وزن الذهب الذي أرسله الملك ( حورام) مِن مدينة (أوفير) إلى سليمان لكسوة حوائط الهيكل وأبوابه وبعض عناصره كان 420 وزنة ذهب، بينما جاء في سفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح الثامن، الفقرة 18 أن وزن هذا الذهب كان 450 وزنة ذهب! وهو تناقض واضح حول نفس الحدث.
5- ورد في سفر أخبار الملوك الأول الفصل الخامس الفقرة 17، وفي أخبار الأيام الأول، الفصل الثاني والعشرين في الفقرة 2، في وصف الحجارة المستخدمة في بناء الهيكل أنها كانت حجارة كريمة، كبيرة، مربعة الشكل، والمتعارف عليه قديمًا وحديثًا في البناء عدم استخدام الحجارة المربعة الشكل في بناء حوائط وأساسات المباني، بل تستخدم الحجارة المستطيلة بصفةٍ أساسية، وعلى هذا جرى ويجري عمل المتخصصين في هذا الشأن، فهو مِن مبادئهم الهندسية والإنشائية، ويؤيده الواقع المرئي؛ إذ أن كل الحجارة المستخدمة في كل مباني القدس الأثرية هي حجارة مستطيلة الشكل، بما في ذلك السور الحجري للمسجد الأقصى، وكذلك حائط البراق، والذي يسميه اليهود حائط المبكى.
6- ورد في سفر (حزقيال): (40: 5)، (42: 15-19) أن: حزقيال -وهو أحد أنبياء بني إسرائيل كما في التوراة- رأى رؤيا مفصَّلة للهيكل، وأن الرب أمره أن يخبر بني إسرائيل بها، وفيها أن السور المربع الشكل الذي يحيط بالهيكل وما حوله كان طول الضلع الواحد مِن هذا المربع 500 قصبة، وأن هذه القصبة التي قيس بها كان طولها 6 أذرع وشبر واحد، فإذا كان الذراع = 50 سم، والشبر = 20 سم، فيكون طول القصبة = 3.2 م، و يكون طول الضلع الواحد مِن سور الهيكل المربع الشكل = 500 قصبة مضروبة في 3.2 م = 1600م.
وعليه تكون المساحة الكلية للهيكل وما حوله = مربع طول الضلع الواحد أي 1600م، مضروبة في 1600م = 2.56 كيلو مترًا مربعًا، وهذا يتناقض تمامًا مع المساحة الإجمالية لمدينة القدس القديمة داخل أسوارها، والتي تبلغ واحد كيلو مترًا مربعًا فقط، فهذه المبالغة في وصف الهيكل في سفر حزقيال تجعل مساحة الهيكل تساوي مرتين ونصف مرة ضعف مساحة مدينة القدس ككل، والذي يفترض أن الهيكل هو جزء مِن المدينة وداخل فيها! (راجع المصدر السابق "المسجد الأقصى أم الهيكل المزعوم؟" ص: 183 -224) .
وقد بني المسجد الأقصى في حياة يعقوب -عليه السلام-، وجدد بناؤه في عهد سليمان -عليه السلام-، وقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفضيلة الصلاة فيه، وقد صلى فيه أنبياء كثيرون ومعهم الموحدون مِن صالحي بني إسرائيل، وغيرهم.
فلما فسد بنو إسرائيل ووقعوا في الكفر والشرك، عوقبوا بالقتل والسبي والأسر إلى بابل، وتدمير مملكتهم، ومدينة داود ومسجدها، ثم أعيد بنو إسرائيل إلى القدس وبني المسجد مرة أخرى، فلما عادوا للإفساد في الأرض وتركوا التوحيد عوقبوا في المرة الأخيرة بالقتل والشتات في الأرض، ودمرت مدينتهم ومسجدها مرة أخرى، وحُرموا مِن العودة لهذه الأرض المباركة.
والتي أورثها الله -تعالى- للمسلمين الموحِّدين مِن أمة النبي -صلى الله عليه وسلم-:
1- فكان إسراؤه -صلى الله عليه وسلم- ومعراجه مِن المسجد الأقصى، واجتماعه بالأنبياء مِن قبله فيه، وصلاته إمامًا لهم فيه، ولا يؤم الرجلُ الرجلَ في سلطانه.
2- وكان دخول المسلمين الموحدين للقدس، وإزالة سلطان الرومان غير الموحدين منها، وإعادتهم بناء المسجد الأقصى للصلاة، وعبادة الله -تعالى- فيه مِن جديدٍ.