"هيكل سليمان"... حقيقة أم خيال؟!
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
3- وقد أشار القرآن الكريم إلى تاريخ بني إسرائيل والمسجد الأقصى، ونهاية ارتباط اليهود به -كما ذهب إليه الكثير مِن المفسرين- في قوله -تعالى- في سورة الإسراء: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (الإسراء:4 -8) .
فهذا هو المعروف المعلوم عن المسجد الأقصى، تؤكده الحقائق والآثار التاريخية، وتستريح له النفس؛ أما زعم اليهود حول البديل للمسجد الأقصى -وهو هيكلهم المزعوم!-؛ فهو مما لا يعرف لمكانه موضع، وليس له على الواقع أي أثر، إلا ما أورده اليهود في كتبهم التي طرأ عليها التحريف والتبديل، وقد ذكرنا طرفًا منها، وما فيها مِن الاضطراب والتهويل ما يذهب بمصداقيتها.
ومِن أوجه مخالفة تاريخ الهيكل وبنائه التي عند اليهود لتاريخ المسجد الأقصى غير ما ذكرنا:
1- يزعم اليهود أن بدء بناء الهيكل كان في زمن سليمان -عليه السلام-؛ لا في عهد إبراهيم ويعقوب -عليهما السلام-.
2- يزعم اليهود أن الهيكل مكون مِن قدس الأقداس، وبه تابوت العهد، وهو صندوق يُحفظ فيه نسخة مِن توراة موسى -عليه السلام-، وبه المذبح الذهبي لذبح القرابين، وبعده البهو المقدس، وهو المكان المخصص لاجتماع الناس وإقامة الشعائر، ثم قاعة المدخل، وهي التي تلي باب الهيكل مِن الخارج، وهناك عمودان: أحدهما عن اليمين ويسمى (ياكين)، وهو اسم أحد أحفاد يعقوب مِن سبط شمعون، والثاني عن اليسار ويسمى (بوعز)، وهو اسم أحد أبطال سبط يهوذا القدماء.
وفي صحن المدخل مذبح في الهواء الطلق لتصعيد القرابين التي تحرق بالنار مِن الذبائح، وعن يسار المذبح الخارجي يوجد حوض نحاسي كبير لاغتسال الكهنة، وبناء الهيكل -لا سوره الخارجي الذي يضم الهيكل وما حوله- مستطيل، واتجاهه مِن الغرب إلى الشرق (نحو الشمس)، فتلك قبلته، ولا يعلم لماذا هذا الاتجاه وهذه القبلة؟ إذ لا يعلم وجود شيء مهم في هذا الاتجاه! وهذا يعني أن اتجاه الهيكل كان عموديًّا على اتجاه المسجد الأقصى مِن أول بنائه، فهما متعامدان في الاتجاه.
قال د."حسن ظاظا" في كتابه (القدس: مدينة الله أم مدينة داود؟) (ص: 56-57): "هناك أيضًا أمر يستحق الانتباه، وهو أن الحرم الإسلامي الشريف مستطيل، واتجاهه مِن الشمال إلى الجنوب (في اتجاه القبلة بمكة المكرمة)، أما معبد سليمان فهو مستطيل، لكن اتجاهه مِن الغرب إلى الشرق (نحو الشمس)، وهو الاتجاه العام في المعابد القديمة في بابل أو مصر أو غيرهما مِن أقطار الشرق الأدنى والأوسط، وإذن فلا يمكن التسليم برأي مَن يدعون أن الحرم يقوم تمامًا على ما كان سابقًا يسمَّى هيكل سليمان حتى لو سلمنا أن الهيكل كان في هذا الركن بالذات مِن الجبل، وهذا لا دليل عليه إلا العنعنات التي اتخذت في نفوس البعض منزلة مقدسة لتكرارها عبْر الأجيال!".
ويقول د."حسن ظاظا" أيضًا ( ص:58) مؤيدًا الكاتب الأمريكي (لويس براون) في كتابه (حياة اليهود): "لم يكن المعبد لا فخمًا ولا ضخمًا؛ إلا في أعين اليهود البسطاء الذين لم يكونوا مِن الحضارة إلى درجة يطمحون معها في انجازات معمارية كالتي في نفس العصر في مصر الفرعونية أو بابل أو أشور أو إيران أو الهند"، ومعلوم أن المسجد كدور عبادة لا يحتاج إلى الضخامة وشدة الزخرفة والمبالغة فيها.
تنبيه: يطلق الناس تسمية الحرم القدسي الشريف على المسجد الأقصى، وهي تسمية خاطئة، ففي الإسلام حرمان فقط متفق عليهما، هما: "المسجد الحرام بمكة - والمسجد النبوي بالمدينة"، وللحرم المكي والنبوي أحكام خاصة دون غيرهما في كتب الفقه.
3- يزعم اليهود أن سليمان -عليه السلام- لم يكن نبيًّا، بل كان ملكًا على بني إسرائيل، وأنه لم يمت إلا بعد أن وقع في الشرك وعبادة غير الله -تعالى-، ونال بذلك غضب الله -تعالى- عليه، وهذه جرأة عظيمة في التحريف وتزييف التاريخ، ونسبة الشرك وارتكاب الكبائر للأنبياء، تكررت عندهم؛ فلوط -عليه السلام- زنى عندهم بابنتيه!
وهارون -عليه السلام- عندهم هو الذي صنع العجل وعبده مع بني إسرائيل!
وسليمان عبد مع زوجاته آلهة الوثنيين! إلخ.
فلا تعجب ممَن هذا دأبهم أن يحرِّفوا الكلام عن الهيكل.
يقول عادل المعلم في كتابه: (داود وسليمان في العهد القديم والقرآن، ط.مكتبة الشروق الأولى عام 2000 ص: 97-98) عن الأجزاء التي ورد فيها ذكر بناء الهيكل في التوراة: "يشكل كتاب الملوك الأول وكتاب الملوك الثاني سفرًا واحدًا في التوراة العبرانية، وهما جزء مِن الأدب النبوي -يعني مِن كلام الأنبياء عندهم-؛ وذلك لأن نبيًّا مِن الأنبياء قد صنف بوحيٍ مِن الروح القدس هذين الكتابين معًا في نحو القرن السادس قبْل الميلاد، ويغطي هذان الكتابان حقبة تاريخية تقارب ثلاث مائة وخمسين سنة حكم خلالها عددٌ مِن الملوك على إسرائيل؛ لهذا دعي هذان الكتابان بهذا الاسم. يستهل كتاب الملوك الأول بوفاة داود وخلافة سليمان ابنه ملكًا على بني إسرائيل، ثم بناء الهيكل في أورشليم، وما أصاب المملكة مِن انقسام بعد موت سليمان، فقامت مملكة يهوذا في الجنوب ومملكة إسرائيل في الشمال. وينتهي الكتاب بوصف تفصيلي للصراع الذي نشب بين إيليا النبي وأخاب ملك إسرائيل".