تأملات في النصيحة (2)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تكلمنا في مقالنا السابق عن دائرة المصالح التي يجب على المسلم فيها النصح للناس، ما بيْن مصلحةِ نَفْسِه، إلى مصلحة أُسْرَتِه إلى مصلحة عائلتِه، إلى مصلحة جماعتِه وطائفتِه، إلى مصلحة مجتمعِه ووطنِه، إلى مصلحة أُمَّتِه، إلى مصلحة البشر عمومًا.
واليوم نتكلم عن أنواع المصالح التي يجب النصح فيها لهؤلاء، والتي يَلزم أن نضعها نصب أعيننا عند اختيار المواقف وحساب المصالح؛ خاصة أن المصالح المحضة والمفاسد المحضة لا تكاد توجد إلا نادرًا؛ فلزم البحث في أنواع المصالح لتقديم المصلحة الأكبر على المصلحة الأدنى.
أولًا: مصلحة الدين: وهي أعظم المصالح والضرورات للإنسان، بالنظر إلى جملة حياته ووجوده؛ فليست حياتُه فوق الأرض هي فقط حياته، قال -تعالى- عن يوم القيامة: ( وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ) (الفجر:23-24) ؛ فكأن حياته فوق الأرض ليست بحياةٍ معتبرةٍ بالنسبة للآخرة، وقال -تعالى-: ( مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) (الروم:44) ، قال مجاهد: "في القبر"؛ فالمِهاد في القبرِ أولى بالإعدادِ والتسويةِ مِن فراش حجرة النوم.
فالواجب على الناصِح أن يقدِّم ما فيه تحقيق إيمان نَفْسِه وأُسْرَتِه وعائلتِه، وجماعتِه ومجتمعِه وأهل بلده وأُمَّتِه؛ بل الناصحُ -تمامَ النصحِ- مِن ينصح للكفار ويضحي بنفسه مِن أجل أن يؤمنوا، ولو بفوات نفسه ونفوسهم، كما فعل غلامُ "أصحاب الأخدود" إذ قال للمَلِك: ( إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَتَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعِ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِاسْمِ اللهِ رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ ارْمِنِي، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، وَصَلَبَهُ عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ وَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، رَبِّ الْغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدْغِهِ فِي مَوْضِعِ السَّهْمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ، فَأُتِيَ الْمَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ؟ قَدْ وَاللهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَدْ آمَنَ النَّاسُ ) (رواه مسلم) ، فتركُهم للشركِ والكفرِ مُقَدَّمٌ على حياة النفوس في الدنيا.
أما إذا أمكن حِفْظُ الدينِ مع حفظ النفس وَجَبَ ذلك؛ ولا يُلقي بيده إلى التهلكة، ولا يُلقي بالناس إلى التهلكة؛ وإنما شُرع العذر عند الإكراه لإبقاء المُهْجَةِ؛ إذ أن بقاء الدين في القلب مع الطمأنينة بالإيمان حاصلٌ مع النطق بكلمة الكفر عند الإكراه، وإن كان هذا لا يَلْزَم؛ لما في إظهار الدين بالصبر على القتل وعدم النطق بكلمة الكفر مِن مصلحةِ تعظيم الإيمان في النفس وعند الناس، وتحصيل الشهادة.
أما إذا كان الأمر مُتَعَدِّيًا إلى غيره مِن المسلمين فيلزمه حِفظُهم وعدم تعريضهم للهلاك، إذا أمكن بقاؤهم على الدين بنطقه لكلمة الكفر أو ما دون ذلك، كما قَبَّلَ عبد الله بن حذافة -رضي الله عنه- رأس ملك الروم لكي يطلق سراح مَن معه مِن أسرى المسلمين؛ فللمرء أن يسامِح في حق نفسه، وليس له أن يسامح في حق غيره؛ ولذا قال أهل العلم بوجوب دفع المفسدة المُتَعَدِّيَةِ بترك الحِسْبَة مع استحباب الاحتساب إذا كانت المفسدة مقتصِرة على المحتسب.
أما ما يمكن فيه بقاء الدين والنفس -بتفويت ما دون ذلك مِن المصالح لمجموع الأمة أو المجتمع أو الجماعة، أو حتى العائلة والأسرة-؛ فذلك واجبٌ بلا شك ولا نزاع.
ومِن مصلحة الدين كذلك التزامُ الناس بالسُّنة وتركهم البدع، ونعني بالسُّنة: الطريقة والمنهج، وخاصة في الاعتقاد، ونعني بالبدع في المقام الأول: بدع الضلالة في العقائد كالرفض (التشيع)، والخوارج (التكفير)، والاعتزال، ونحوها؛ فمهما كان أمامنا مِن اختيارٍ بيْن أمورٍ أحدها يؤدي إلى التزام الناس بالسُنَّة أكثر مِن غيره لَزِمَ ذلك الاختيار، وما كان أبقى لوجود مَن يدعوهم إلى السُّنة وينهاهم عن البدعة، ويُعَلِّمُهم ما يلزمهم في دينهم لزم اختياره.
وليس -عند أهل العلم- الخيار الصفرِيِّ -الذي يُعدِم الدعاة أو يسجنهم ويمنعهم مِن صور الدعوة إلى الله، أو يضطرهم للسفر والهجرة، مع العجز عن الدعوة بيْن الناس بعيدًا عنهم- بخيارٍ مُعْتَبَرٍ، ما لم يكن في ذلك النطق بالكفر أو الشرك أو البدعة الضلالة مثلًا؛ بل كل وسيلة تُبقِي الدعوة قائمة بصورةٍ مِن الصور -ولو قَلَّتْ- فهي مشروعةٌ، وهي خيرٌ مِن إعدامها بالكُلِّية؛ وكلُّ هذا مِن حفظ دين المجتمع وما دونه، بل الحفاظ على طائفة أهل السُّنة قائمة بمنهجها داعية إلى شرع الله خير لمجموع الأمة بلا شك.
وكذلك مِن مصلحة الدين: التزام الناس بفعل الطاعات والواجبات وترك المحرمات؛ فما كان أقرب إلى أن يحافِظ الناس على الصلوات وتعمير المساجد وإيتاء الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها والتمكن مِن تعليم الناس ذلك ومعاونتهم عليه، وسد حاجات فقرائهم وصوم رمضان وحج البيت والاعتمار إليه؛ كان لازم الاختيار، بدلًا مما يجعل شبابهم ورجالهم ونساءهم وأطفالهم يفقدون الطريق إلى المساجد ويضيعون الفرائض والوجبات.
وكذا أداء الواجبات الباطنة -بل هي مقدمة على الظاهرة- مِن حب الله -تعالى- والخوف منه، ورجاء رحمته، وشكر نِعمته، والصبر والإخلاص والصدق، وغيرها من عبادات القلوب.