تأملات في النصيحة (2)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وأما ترك المحرمات: فهو يشمل ترك المحرمات الباطنة -كالكبر والعجب والرياء والسمعة، والغل والحسد، وسائر أمراض القلوب-، والمحرمات الظاهرة مِن الكبائر -كالزنا واللواط، والسرقة، وشرب الخمر، والربا والميسر-، وخيانة الأمانة -خاصة الغلول-، ونحوها، والصغائر التي هي دون ذلك.
فكل ما كان أقرب إلى استصلاح الناس -بترك ذلك ووجود من يُعَلِّمُهم حُرْمَةَ ذلك ويدعوهم إلى تَرْكِه- كان يلزم اختياره، وكذلك كل ما كان أقرب إلى التزام الأخلاق الواجبة والمستحبة -كَبِرِّ الوالدين، وصِلَةِ الأرحام، والإحسان إلى الجيران، والصدق والأمانة- والبعد عن سيئ الأخلاق -كالكذب، وإخلاف الوعد، وإطلاق البصر إلى المُحَرَّمات، والغيبة والنميمة، وسوء الظن، والفحش والسب واللعن والبذاء- كان واجبًا أن نُقَدِّمَه على ما يؤدي إلى ضياعِ ذلك الخير في الناس.
وعمومًا: فكل خيار يؤدي إلى قرب الدعوة مِن الناس ووجودها فيهم -لحفظ الدين بالقَدْرِ المُمْكِن-؛ كان واجبًا على المسلم فِعْلُه واختيارُه.
ويجب أن ننتبه في هذه النقطة إلى أن خيار الفوضى في بلدٍ مِن البلاد هو مِن أسوأ الخيارات التي تعود على دين المجتمع بالضرر، وليس فقط حفظ دنياهم وأرواحهم وأعراضهم وأموالهم، ألم تسمع قول الله عن ذي القرنين: ( حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا ) (الكهف:93) ؛ فلم يذكر -رضي الله عنه- ما ذكر عند مغرب الشمس ومشرقها مِن بيان خطر الظلم وعقوبته، والترغيب في الإيمان والعمل الصالح ومثوبته؛ بل بدأ ببناء السد مع إشارات لمعاني التوحيد ( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا . آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا . فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) (الكهف:95-97) ، حتى إذا انتهى منه ذَكَّرَ الناسَ بأن هذا مِن فضل الله، وذَكَّرَهم بالآخرة ( فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ) (الكهف:98) ؛ لأن الناس عند الفساد والفوضى لا يفقهون شيئًا، وتكاد تنعدم عندهم أدوات الاستقبال للدعوة.
فلا يسعنا أبدًا أن ندفع مجتمعًا إلى الفوضى وبلادنا إلى الخراب ظنًا منّا أن ذلك يمكن معه إقامة الدين أو الدنيا؛ ولا يُقْدِم على ذلك إلا غَاشٌّ خائنٌ غيرُ ناصحٍ، أو مَن يعتقد كفر المجتمع ويريد الانتقام منه بدلًا مِن هدايته! بل هذا ليس هدي الأنبياء والدعاة إلى الخير -عبْر الزمان- مع المجتمعات الكافرة؛ فإن حُبَّ الهداية لهم مغروز في الفطرة السليمة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعَلِيِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- في فتح خيبر حين دفع له الراية: ( انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ، حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ؛ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ) (متفق عليه) .
ولذا كان خِيارُ السِّلْمِ في "الحُدَيبِيَةِ" -مع أن خيارَ الحرب في صالحِ أهلِ الإيمانِ-: ( وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ) (الفتح:22) ، كان خِيارُ السِّلْمِ فَتحًا مُبينًا.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.