شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحريفات "هَرْمَجِدُّون!"

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمعلوم أن مِن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بأشراط الساعة وعلاماتها الكبرى والصغرى، كما وردتْ على لسان الرسل والأنبياء وثبتت عنهم بلا زيادة أو نقصان، وبلا تحريف أو تزييف، وهذا داخل في الإيمان بالغيب الذي جاء به الوحي، قال الله -تعالى-: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (البقرة:2-5) .

وهذا الإيمان بما يتعلق باليوم الآخر بينته الرسل تفصيلًا على الوجه الذي يحتاج إليه الناس، ويقع به امتحانهم على التصديق به، ومع أن هذه الأشراط فوق مستوى إدراك عقول الناس، وقد لا يدركون أكثرها -أو أهمها- في حياتهم؛ إذ إن علاماتها العظمى تكاد تكون محصورة في الجيل الذي يشهد نهاية الحياة البشرية على الأرض، فيلزمهم العمل بمقتضاها مِن التعوذ مِن فتنها، والدعاء بالسلامة والعافية مِن شرورها، ونحو ذلك، إلى جانب حفظها كعلمٍ شرعي ونقلها وتعليمها كما جاءت ونزلت جيلًا بعد جيل؛ لأنها مِن الدين، بل مِن أصوله، إذ هي مِن الإيمان، مع مراعاة عدم المبالغة في محاولة تفسيرها، أو الاجتهاد في تأويلها؛ لأنها أمور غيبية تأويلها يظهر عند وقوعها لا قبله.

وهذا بالقطع ينطبق على ما عند أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى مما ورد في كتبهم عن أشراط الساعة وعلاماتها الكبرى، وإن كانت كتبهم -للأسف- قد نالتها يد التحريف، وشوهها الغلو في التفسير والتأويل، وترتب على ذلك صور مِن الفساد والإفساد تكررت مرارًا عبْر التاريخ، كادعاء ظهور المسيح المنتظر، أو اتصاله بالناس، أو تحديد مواعيد لوقوع الساعة في أيام معينة، وهذا تكرر كثيرًا، وتبين بمرور الوقت كذبه وبطلانه.

ومما شاع في زماننا في هذا الباب بيْن اليهود -خاصة يهود إسرائيل- والنصارى -خاصة نصارى أمريكا البروتستانت- الكلام عن (معركة هَرْمَجِدُّون) عندهم وقرب وقوعها، وأنها ستكون في الجيل الذي يعيش على الأرض الآن، وأنها الحرب العالمية الثالثة، وأنها ستكون حتمًا حربًا نووية! ثم اتخاذ المواقف والقيام بأعمالٍ هي مِن التفاعل مع هذا الحدث أو التمهيد له، على ما في هذا الاعتقاد مِن تحريفٍ وتزييف، وعلى ما في هذا التفاعل مِن غلو ومبالغة، ترتب عليها الكثير مِن صور الإفساد في الأرض، حتى طال أثره مَن تأثر به -أو تفاعل معه- مِن عوام المسلمين وجهالهم، ممَن لم يهتدوا بنور العلم الشرعي.

معركة "هرمجدون":

تؤمن الطائفة الإنجيلية البروتستانتية -وهي طائفة يتبعها عشرات الملايين مِن الأمريكيين وغيرهم، ويتبعها العشرات مِن الكنائس ذات النشاط التبشيري الواضح، وعشرات القساوسة أصحاب الصيت العالي- مِن خلال تفسيرها الحرفي الجديد للكتاب المقدس (العهد القديم والعهد الجديد) بعودة المسيح (الرب) إلى الأرض في آخر الزمان ليقضي على غير النصارى، ولكن هذه العودة مرتبطة بمعركة عظيمة هائلة، هي (معركة هرمجدون)، والتي تقع عند جبل مجدو في شمال فلسطين، والتي تشهد مقتل كل أعداء الرب، ولا يكون ذلك إلا بعد إعادة اليهود بناء هيكل سليمان في القدس، وهذه الإعادة للبناء تكون بعد قيام دولة لليهود تضم القدس، ومِن هنا يأتي تأييد هذه الطائفة الدائم ودعمها الكامل لإسرائيل وإقامة هيكلها المزعوم، وتسمى هذه الطائفة ومَن يوافقها في المعتقد والهدف باسم (الحركة الصهيونية المسيحية) أو (اليهو - مسيحية) أو (اليمين المسيحي).

نشأة عقيدة معركة هرمجدون:

وردت كلمة هرمجدون في الإنجيل في موضعٍ واحدٍ في العهد الجديد في سفر الرؤيا الفصل 16 المقطع 16 في الكلام عن اليوم العظيم للرب، يوم حساب الرب لهذا العالم، حيث يجتمع فيه الناس لقتالٍ عظيم في مكانٍ يدعى هرمجدون، ويتم فيه القضاء على كل أعداء الرب.

وهرمجدون: كلمة عبْرية مِن مقطعين (هار) بمعنى جبل، و(مجدون) وهو اسم واد في فلسطين (مجدو) يقع بالقرب من مدينة (جنين)، في منطقة (مرج ابن عامر) التي تبعد 55 ميلًا عن شمال تل أبيب، و20 ميلًا عن جنوب شرق حيفا، و15 ميلًا عن شاطئ البحر الأبيض المتوسط.

ويُعرف هذا الوادي الآن باسم: (تل المتسلم)، فهو في الواقع تل (هضبة) لا جبل، وهذا المكان شهد قديمًا معارك كثيرة قبْل الميلاد، وهو طريق تجاري قديم يربط بيْن مصر والإمبراطوريات الشمالية في سوريا والأناضول وبلاد ما بيْن النهرين، وقيل: فيه هَزم المصريون الحيثيين في معركة (مجدو) في عهد الفراعنة.

ومِن هنا قامت الصهيونية المسيحية (الإنجيلية) البروتستانتية بتفسيراتٍ لاهوتية جديدة لهذا للإنجيل توجب على أتباعها تقديم المساعدة لليهود؛ لتمكينهم مِن السيطرة على مدينة القدس وإقامة هيكل سليمان؛ لأن ذلك شرط عندهم لوقوع معركة هرمجدون، والمجيء الثاني للمسيح، وإقامة مملكة الرب!

وتذكر الكاتبة (جريس هالسل) في كتابها (النبوءة والسياسية) أن بداية تلك النبوءة كانت مِن القسيس (جون نيلسون داربي) الذي كان يرى أن إسرائيل كانت مملكة الرب على الأرض، وأن الكنيسة المسيحية هي مملكة الرب في السماء.

وتنبأ بوقوع "معركة هرمجدون" مِن أجل إسرائيل، وظهور المسيح مِن أجل المسيحيين (النصارى)، وهو ما تأثر به مِن بعده (سايروس إنجيرزون سكوفيلد)، وطرحه في أواخر القرن التاسع عشر كنبوءةٍ مِن النبوءات تتعلق بالكتاب المقدس وتفسيره.

وفي 1909م طُبع أول مرجع تفسيري للإنجيل لـ(سكوفيلد) ووضع فيه رأيه الشخصي هذا، فأصبح مِن أكثر الكتب المسيحية تداولًا، حتى أصبحت معتقدات سكوفيلد وداربي مِن ركائز الإيمان عند الكثيرين مِن الإنجيليين، والذين تجاوزوا الآن الستين مليونًا مِن الأمريكيين؛ منهم رؤساء، وقادة، وكبار المسئولين، ومكمن الخطورة في توظيف هذا المعتقد سياسيًّا لتحقيق مخططات الصهيونية العالمية في المنطقة العربية.

التبشير بمعركة هرمجدون:

الصفحة التالية