مِن جهود "الأزهر" لدعم القضية الفلسطينية
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فإن دور "الأزهر" -جامعة ومؤسسة- في حفظ القرآن الكريم وعلومه، وتعليم الشرع وفنونه، والوعظ والإرشاد، والنصح والتوجيه للأمة مِن خلال علمائه وشيوخه لا يقل أهمية عن دور الجندي الذي يحمل سلاحه يزود به عن الأرض والعِرض، ويحمي الاستقرار والأمن.
ومؤتمر نصرة القدس الذي أقامه "الأزهر الشريف" في القاهرة في يناير 2018م -وضم وفودًا مِن 86 دولة عربية وإسلامية جاءوا استجابة لدعوة شيخ الأزهر الدكتور "أحمد الطيب"- لم يكن أول ما قدَّمه الأزهر للقضية الفلسطينية، التي تعد قضية محورية لمصر والعرب وسائر المسلمين؛ فلقد سبق ذلك الكثير مِن الجهود العظيمة للأزهر الشريف ومشايخه الأجلاء في نصرة القضية الفلسطينية عبْر العقود الماضية، والتي تعبِّر -بحق- عن مكانة الأزهر ومشايخه الرفيعة، وتبنيه لقضايا الإسلام والمسلمين، وتعبيره عن نبض الشعب المصري والشعوب الإسلامية جمعاء.
ونذكر هنا في عجالة صورًا وأمثلة مِن هذه الجهود المشكورة:
الأزهر وثورة "البراق" 1929م:
بدأ الاهتمام المعلن بقضية القدس وفلسطين داخل مصر -والأزهر خاصة- مع ثورة الفلسطينيين عام 1929م، بسبب حادثة حائط البراق التي أثارتْ مشاعر المصريين الدينية، حيث وقعت أحداث دامية أشعلت ثورة لم تنتهِ إلا بإقرار حق الفلسطينيين والمسلمين الديني والتاريخي في حائط البراق.
وحائط البراق هو السور الغربي مِن المسجد الأقصى المبارك، وهو مِن الأوقاف الإسلامية عبْر قرونٍ طويلةٍ، ولكن في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين وفتح سلطات الانتداب الباب على مصراعيه للهجرة اليهودية إلى فلسطين تمهيدًا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين تنفيذًا لوعد بلفور طمع اليهود في السيطرة على هذا الحائط، الذي يزعمون كذبًا وزورًا أنه مِن بقايا هيكل سليمان؛ لذا فهم يزورونه ليتباكوا عنده ويقيموا شعائر دينية لهم، و يسمونه: (حائط المبكى!)، مع أن الحفائر وأعمال التنقيب حول المسجد وفي القدس لم تثبت ما يدعيه هؤلاء اليهود، بل تكذبه تمامًا، إذ لا يوجد أي أثر يهودي في القدس خاصة يشير إلى هيكلهم، وإنما هو المسجد الأقصى، والذي وجد المسلمون بقاياه وسوره فأعادوا -بفضل الله- بناءه ليؤمه الموحدون للصلاة، والتقرب إلى الله -تعالى- فيه.
- في 7 ربيع أول 1348 هجريًّا - 14 أغسطس 1929م، قام اليهود في (تل أبيب) في أعقاب أحد المؤتمرات الصهيونية العالمية في أوروبا -والتي حرَّضت اليهود على الاستيلاء على حائط المبكى- بمظاهراتٍ تطوف بالمدينة رافعين أعلامهم هاتفين: (الحائط حائطنا!)؛ منددين بسلطة الانتداب البريطاني والتي نزعت ستارًا وضعه اليهود على حائط البراق في ربيع الآخر 1347هجريًّا - أغسطس 1928م تجنبًا لإثارة مشاعر المسلمين؛ إذ إن الحائط مِن أوقاف المسلمين الذين سمحوا مِن قبْل لليهود بزيارة مكان الحائط دون إحداث تغيير فيه.
وامتدت المظاهرات اليهودية إلى مدينة القدس، حيث بالغ المتظاهرون في الإساءة للفلسطينيين بعد يومين، وبعد صلاة الجمعة بالمسجد الأقصى وجد المصلون مكان الحائط يغص باليهود المتظاهرين، فوقع الصدام بينهما.
وامتدت التظاهرات اليهودية إلى بعض المدن الفلسطينية الأخرى، وازداد الصدام نتيجة الاستفزاز اليهودي مِن جهة والعاطفة الدينية عند الفلسطينيين الذين يرفضون سيطرة اليهود على الحائط أو إحداث أي تغيير في مكانه مِن جهةٍ أخرى؛ مما ترتب عليه سقوط قتلى وجرحى مِن الطرفين، رغم محاولة سلطة الانتداب البريطانية الحيلولة دون ذلك، حيث إنها المسئولة على حفظ الأمن في البلاد.
ومِن باب الاهتمام المصري بالقضية قام الأمير (عمر طوسون ) بصفته الرئيس الأعلى للجنة (عمارة الحرم المقدس في الديار المصرية) بإرسال برقية احتجاج إلى الحكومة البريطانية مطالبًا بمنع اليهود مِن إجراء أي تغيير حول المسجد الأقصى.
ومِن موقع الشعور بالمسئولية أعلن شيخ الأزهر وقتها -الشيخ مصطفى المراغي- تحذيره للسلطات البريطانية مِن مغبة ما يقوم به اليهود، كما تعرض علماء الأزهر وشيوخه في حلقات دروسهم بالأزهر لهذا الحادث، ومعلوم أن بالأزهر طلابًا مِن مختلف دول الإسلامية، مما كان له أثره في نشر الاهتمام بالقضية الفلسطينية مِن بدايتها في العالم الإسلامي، بل إن طلابًا فلسطينيين كانوا يدرسون بالأزهر وقتها أصبحوا بعد سنوات قلائل مِن زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية.
وقد أعقب ذلك تشكيل لجنة دولية للنظر في أسباب ثورة الفلسطينيين، فقامت اللجنة بزيارة القدس ومناقشة الأوضاع وسماع الشهود مِن الجانبين، ثم أصدرتْ حكمها النهائي بحق المسلمين وحدهم -دون اليهود- بحائط البراق حيث أنه جزءٌ مِن المسجد الأقصى، وكذلك المكان بجواره حيث أنه مِن الأوقاف الإسلامية.
الأزهر و ثورة 1936م:
شهدت فلسطين ثورة شعبية ضد الإنجليز و اليهود معا في عام 1936م، حيث لم يجد الفلسطينيون بد من مواجهة الموجات المتعاقبة من اليهود المهاجرين ومواجهة تواطؤ الإنجليز معهم بتسهيل هجرتهم و امتلاكهم الأراضي، واستمرت الثورة لمدة ثلاث سنوات رغم ما لاقته من استخدام قوات الانتداب البريطانية القوة المفرطة تجاه الفلسطينيين لإخمادها. وكانت أخبار الثورة و طول زمنها وبطولاتها و أخبار الشراسة التي تواجهها بها قوات بريطانيا مثار اهتمام الشعب المصري وعلماء الأزهر وطلابه.
وفي الثاني مِن ذي القعدة 1354 هجريًّا - الثامن مِن فبراير 1936م، أرسل الطلبة الفلسطينيون الدارسون بالأزهر عريضة إلى وزارة المستعمرات البريطانية، تتضمن استنكارهم للممارسات العدوانية البريطانية، والمطالبة بمنح الفلسطينيين حقهم في الاستقلال، ووقف الهجرة اليهودية واستيلاء اليهود على الأراضي العربية.
وقد قام "مصطفى النحاس باشا" رئيس الحكومة المصرية والشيخ "مصطفى المراغي" بحملة لجمع التبرعات مِن أبناء الشعب المصري مِن أجل عرب فلسطين، واستجاب لها عددٌ كبيرٌ مِن طلبة الأزهر بتأليف لجانٍ لبثِّ الدعاية لهذا الغرض في القاهرة وسائر المديريات الأخرى، وتنظيم تظاهرات تطوف شوارع القاهرة منددة بسياسة بريطانيا في فلسطين.