شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

ربما صحت الأجسام بالعلل! (2)

رجب صابر • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن الشرَّ الذي يقدِّره الله -تعالى- يكون في طياته خير حتى لو لم يظهر ذلك لنا، وذكرنا دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام إلى الصلاة، وفيه: ( لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ ) (رواه مسلم) .

وأن للمتنبي بيت شعر صار مثلًا فيه شيء مِن هذا المعنى، قال:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه فربما صحت الأجسام بالعلل!

وفيما يلي أمثلة تُبيِّن أن الله يقدِّر الشر وفي طياته خير، سواء ما يتعلق بالأمم والشعوب أو يتعلق بالأفراد، وسواء في أمور الدنيا أو أمور الدين.

أولًا: أمثلة على ذلك في شأن الأمم والشعوب:

1- أمور الدين في شأن الأمم والشعوب:

قال الله -تعالى- في شأن يوم أُحد: ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ . إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) (آل عمران:152-153) .

قال ابن القيم -رحمه الله-: "أخبرهم أنه صدقهم وعده في نصرتهم على عدوهم، وهو الصادق الوعد، وأنهم لو استمروا على الطاعة، ولزوم أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- لاستمرت نصرتهم، ولكن انخلعوا عن الطاعة، وفارقوا مركزهم، فانخلعوا عن عصمة الطاعة، ففارقتهم النصرة، فصرفهم عن عدوهم عقوبة وابتلاءً، وتعريفًا لهم بسوء عواقب المعصية، وحسن عاقبة الطاعة، ثم أخبر أنه عفا عنهم بعد ذلك كله، وأنه ذو فضل على عباده المؤمنين.

قيل للحسن: كيف يعفو عنهم، وقد سلَّط عليهم أعداءهم حتى قتلوا منهم مَن قتلوا، ومثـَّلوا بهم، ونالوا منهم ما نالوه؟ فقال: لولا عفوه عنهم لاستأصلهم، ولكن بعفوه عنهم دفع عنهم عدوهم بعد أن كانوا مجمعين على استئصالهم" (زاد المعاد 3/ 226-228) .

ثم قال ابن القيم -رحمه الله-: "ثم ذكرهم بحالهم وقت الفرار مصعدين، أي: جادين في الهرب والذهاب في الأرض، أو صاعدين في الجبل لا يلوون على أحد مِن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- ولا أصحابهم، والرسول -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم في أخراهم: "إليَّ عباد الله، أنا رسول الله!"، فأثابهم بهذا الهرب والفرار غمًّا بعد غمٍّ: غم الهزيمة والكسرة، وغم صرخة الشيطان فيهم بأن محمدًا قد قتل".

ثم قال ابن القيم -رحمه الله-: "والمعنى: أثابكم غمًّا متصلًا بغمٍّ، جزاء على ما وقع منهم مِن الهروب، وإسلامهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وترك استجابتهم له وهو يدعوهم، ومخالفتهم له في لزوم مركزهم، وتنازعهم في الأمر، وفشلهم، وكل واحد مِن هذه الأمور يوجب غمًّا يخصه، فترادفت عليهم الغموم كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها، ولولا أن تداركهم بعفوه لكان أمرًا آخر.

ومِن لطفه بهم، ورأفته، ورحمته: أن هذه الأمور التي صدرت منهم، كانت مِن موجبات الطباع، وهي مِن بقايا النفوس التي تمنع مِن النصرة المستقرة، فقيَّض لهم بلطفه أسبابًا أخرجها مِن القوة إلى الفعل، فترتب عليها آثارها المكروهة، فعلموا حينئذٍ أن التوبة منها والاحتراز مِن أمثالها ودفعها بأضدادها أمر متعين، لا يتم لهم الفلاح والنصرة الدائمة المستقرة إلا به، فكانوا أشد حذرًا بعدها، ومعرفة بالأبواب التي دخل عليهم منها. وربما صحت الأجسام بالعلل".

2- في أمور الدنيا في شأن الأمم والشعوب:

قال ابن خلدون في تاريخه في حديثه عن حركة بعض السلاطين إلى قابس: "ونزل على قابس، وقد استعد لها وجمع الآلات لحصارها فاكتسح نواحيها وجثم عليها بعساكره يقاتلها، ويقطع نخيلها حتى أعاد الكثير مِن ألفافها براحا وموّج الهوى في ساحته فصح إذ كانوا يستوخمونه لاختفائه بيْن الشجر في مكاثف الطلال، وما يلحقه في ذلك مِن التعفن فذهب عنها ما كان يعهد فيها مِن ذلك الوخم رحمة مِن الله أصابتهم مِن عذاب هذا السلطان. وربما صحت الأجسام بالعلل" (ديوان المبتدأ والخبر 6/ 576) .

ثانيًا: أمثلة على ذلك في شأن الأفراد:

1- في أمور الدين في شأن الأفراد:

قال ابن القيم -رحمه الله-: "فلله كم مِن تقدير الذنب مِن حكمة، وكم فيه مع تحقيق التوبة للعبد مِن مصلحة ورحمة، التوبة مِن الذنب كشرب الدواء للعليل، ورب علة كانت سبب الصحة:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه فربما صحت الأجسام بالعلل!

لولا تقدير الذنب هلك ابن آدم مِن العجب؛ ذنب يذل به أحب إليه مِن طاعة يدل بها عليه" (الفوائد، ص 92) .

وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في "طريق الهجرتين" قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب، وذكر أن الناس في البلوى التي تجري عليهم أحكامها بإراداتهم وشهواتهم متفاوتون -بحسب شهودهم لأَسبابها وغايتها- أَعظم تفاوت"، ثم أطال الحديث في ذلك إلى أن قال: "أن يكون في القلب أَمراض مزمنة لا يشعر بها، فيطلب دواءَها فيمُنُّ عليه اللطيف الخبير، ويقضي عليه بذنب ظاهر فيجد أَلم مرضه؛ فيحتمي ويشرب الدواء النافع، فتزول تلك الأمراض التي لم يكن يشعر بها، ومَن لم يشعر بهذه اللطيفة؛ فلِغلظ حجابه كما قيل:

لعـل عـتـبـك محمود عـواقـبه فربما صحت الأجسام بالعلل!"

وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا: "قالوا: وأيضًا فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية، والعبد إذا مرض ثم عوفي وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما ترجع أقوى وأكمل مما كانت عليه؛ لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتلَّ ظهرت تلك الأسقام ثم زالت بالعافية جملةً فتعود قوته خيرًا مما كانت وأكمل، وفي مثل هذا قال الشاعر:

الصفحة التالية