مِن صور الكفاح الفلسطيني (الثورة الفلسطينية عام 1936م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتُعد ثورة 1936م ذروة النضال الفلسطيني ضد الحركة الصهيونية وبريطانيا قبْل قيام دولة إسرائيل في عام 1948م، حيث جاءت تعبيرًا عن رفض الفلسطينيين للمشروع الصهيوني في فلسطين وللانتداب البريطاني المؤيد له في آنٍ واحد.
وقد امتدت هذه الثورة مِن مايو 1936م إلى صيف 1939م، مطالبة بإيقاف الهجرة اليهودية المتزايدة، وإيقاف التملك اليهودي للأراضي في فلسطين، ومطالبة أيضًا بالاستقلال وجلاء الإنجليز عن فلسطين، وقد قُتل في هذه الثورة آلاف الشهداء مِن الفلسطينيين في مواجهة عنف ووحشية القمع البريطاني للثورة.
اندلاع الثورة:
بدأت الثورة في 8 مايو 1936م استجابة لدعوة الحاج "أمين الحسيني"، الذي كان يشغل منصب مفتي القدس، ويُعد مِن أبرز القيادات الفلسطينية في تلك الفترة.
وجاءت دعوة "الحسيني" للجان الوطنية الفلسطينية بالعصيان المدني والإضراب الشامل في مؤتمر القدس العام في مايو 1936م، فانفجر الوضع، وانطلقت الثورة، وقد دام هذا الإضراب العام ستة أشهر، وأدى إلى الشلل التجاري والاقتصادي، وصاحبته أعمال عنف، حيث دخل الفلسطينيون في حرب مقاومة مع القوات البريطانية، وقد شهدت تلك الفترة قدوم متطوعين مِن الدول العربية المجاورة لمساندة الفلسطينيين في نضالهم.
المواجهة البريطانية الشرسة للثورة:
ما إن بدأت الثورة حتى قابلتها القوات البريطانية بالقوة والعنف، واستخدمت كل وسائل القمع إلى حد تدمير أجزاء مِن مدينة (يافا)؛ انتقامًا مِن الفلسطينيين، واعتقال القوات البريطانية أعيان الفلسطينيين، وإعدام المجاهدين مِن الشباب الفلسطيني على أعواد المشانق في الميادين العامة لإرهاب الأهالي.
ومع تدهور الأوضاع قامتْ بريطانيا بزيادة قواتها في فلسطين، وتوسيع العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين، فقامت الطائرات الحربية البريطانية بضرب المنازل والمباني الفلسطينية بالقنابل، كما قامت قطع مِن البحرية البريطانية بفتح نيران مدافعها الثقيلة مِن البحر على الفلسطينيين، وبلغ مِن وحشية القوات البريطانية تعرضها للنساء الفلسطينيات وسلب حليهن، وإطلاق الرصاص على أطفالهن أمام أعينهن!
صمود الشعب الفلسطيني:
تحمل الفلسطينيون وحشية القمع البريطاني ببسالةٍ منقطعة النظير؛ إذ تجاوز عدد القتلى مِن الفلسطينيين في النصف الثاني مِن عام 1936م وحده ألف شخص وفقًا لتقرير الملكية البريطانية.
وقد شاركت النساء والفتيات الفلسطينيات في الثورة حيث كن يمددن الرجال بالعتاد والذخيرة، والمأكل والملبس خلال المواجهات الدموية التي صاحبت الثورة، مما كان له أثره الكبير في مواصلة الرجال صمودهم في مواجهة العدو رغم الفارق الكبير في الإمكانيات.
لقد كانت الفلسطينيات يحمسن الرجال ويشجعهن على مواصلة النضال ضد البريطانيين واليهود على السواء، ويقابلن أنباء استشهاد رجالهن وأبنائهن بالزغاريد، ويرفضن إقامة أي مظاهر للعزاء مِن أجلهم؛ لكونهم شهداءَ أحياءً عند الله -تعالى-.
وقد تسببت أخبار الثورة والوحشية التي قُوبلت بها في إثارة الشعوب العربية والإسلامية؛ فاضطرت بعض الحكومات العربية إلي إظهار الاحتجاج تحت ضغط غضب شعوبها على الحكومة البريطانية.
التحايل البريطاني لإيقاف الثورة:
للحد مِن الثورة وإيقافها قررتْ بريطانيا إرسال لجنة برئاسة اللورد (روبرت بل) بدعوى معاينة الأوضاع في فلسطين والتحقيق فيها، وبذلت بريطانيا جهودها لدى الحكومات العربية للتوسط والضغط على القيادات الفلسطينية لوقف الإضراب، وقبول الحوار مع اللجنة الملكية التي عينتها بريطانيا للتحقيق في الموضوع.
وقد نجحت هذه المساعي البريطانية؛ إذ استجابت القيادات الفلسطينية لضغوط الحكام العرب فتوقف الإضراب في 11 أكتوبر 1936م، وخفت حدة العنف لمدة ثلاثة أشهر في انتظار نتائج اللجنة الملكية.
إعلان نتائج لجنة ( بل):
أبدت اللجنة شيئًا مِن التفهم لتطلعات الفلسطينيين في الاستقلال، ومخاوفهم مِن تزايد الهجرة اليهودية لفلسطين وتملك الأراضي فيها، لكنها لم تغفل في حساباتها المطامع الصهيونية في فلسطين، بل وضعتها في حساباتها، وأشارتْ إلى اعتبار الفلسطينيين بريطانيا حليفة لليهود وعدوة للعرب، حيث كانت الهجمات الفلسطينية تستهدف اليهود فقط في ثورات 1920م و1921م و1929م، ثم صارت تستهدف الحكومة البريطانية مع اليهود منذ عام 1933م في ظل رفض الفلسطينيين للادعاء بأن السلطات البريطانية في لندن أو القدس تحاول الحفاظ على التوازن في العلاقات بيْن العرب واليهود، إذ باتت بريطانيا لدى الفلسطينيين حليفة بالكلية لليهود؛ وعليه فالانتداب ليس إلا وسيلة لخدمة الإمبريالية البريطانية في إقامة وطن لليهود تحت غطاء الشعور الإنساني تجاه اليهود.
وقد بنتِ اللجنة تصورها لحل القضية الفلسطينية على أساس وجود نزاع بيْن مجتمعين قوميين متناقضتين على أرض بلد واحدة: مجتمع عربي آسيوي فيه حوالي المليون نسمة، له دينه ولغته وثقافته وأنماط سلوكه، ويتطلع إلى الاستقلال، وإنهاء الانتداب. ومجتمع يهودي أوروبي إجمالًا، يضم نحو 400 ألف يهودي، له دينه ولغته وثقافته وأنماط سلوكه، ويتطلع إلى إقامة وطنٍ له في فلسطين!
وعليه زعمت اللجنة أنه لا حل للنزاع إلا بإقامة دولتين: عربية ويهودية، فجاء في التقرير: "فسيحصل العرب بموجبها على استقلالهم الوطني، مما يتيح لهم العمل على قدم المساواة مع سائر البلدان المجاورة مِن أجل قضية الوحدة والتقدم العربيين، وهكذا يتم تجنيبهم كل خوف مِن الهيمنة اليهودية... وفي موازاة ذلك يضمن التقسيم إقامة الوطن القومي لليهود، ويلغي كل احتمالات إخضاع اليهود للهيمنة العربية في المستقبل، ويتيح ذلك تحويل الوطن القومي لليهود إلى دولة يهودية!".