مِن صور الكفاح الفلسطيني (الثورة الفلسطينية عام 1936م)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وأمام استبسال الفلسطينيين، وصمودهم، وتحملهم كل ما قامت به القوات البريطانية والعصابات اليهودية، ومع تدهور أوضاع بريطانيا في فلسطين بصورةٍ غير مسبوقة، ومع ازدياد التعاطف العربي مع الشعب الفلسطيني، ومع بوادر الحرب العالمية الثانية، رأت بريطانيا أن عليها تهدئة الأوضاع في فلسطين والمنطقة العربية، بتغيير سياستها في فلسطين لأسبابٍ عديدةٍ، منها:
1- حاجتها إلى قناة السويس ذات الأهمية الإستراتيجية.
2- أهمية النفط العربي حال الدخول في حروب عسكرية بدت متوقعة.
3- تهدئة المشاعر العربية بإبداء التفهم لوجهة النظر العربية في فلسطين، مما يقطع الطريق على دخول ألمانيا في المنطقة، وإيجاد حلفاء لها فيها.
وسيرًا في هذا الاتجاه:
- أرسلت بريطانيا لجنة تحقيق جديدة -لجنة (وودهيد)- إلى فلسطين؛ للنظر في مدى قابلية تنفيذ اقتراح التقسيم الوارد في تقرير لجنة (بل) السابقة، وقد توصلت لجنة (وودهيد) الجديدة إلى تعذر تنفيذ اقتراح التقسيم عمليًّا.
- أعلنت الحكومة البريطانية تخليها عن اقتراح التقسيم.
- دعت بريطانيا الأطراف المعنية للمشاركة في مؤتمرٍ يُعقد في لندن لمناقشة القضية الفلسطينية، ومع رفض الفلسطينيين للدخول في حوارٍ مباشرٍ مع الوكالة اليهودية اتخذ المؤتمر شكل مجموعتين فرعيتين: بريطانية - عربية، وبريطانية - يهودية، أي حوار غير مباشر بيْن الطرفين، ولكن المؤتمر انتهى بالفشل أمام إصرار الفلسطينيين على استقلال فلسطين، مثلها مثل باقي الدول العربية الموضوعة تحت الانتداب، بينما تمسك اليهود بوعد (بلفور) وما تلاه.
الكتاب الأبيض في 1939م:
أعقب ذلك إصدار الحكومة البريطانية لكتابٍ أبيض جديدٍ في مايو 1939م، يتضمن السياسة البريطانية الجديدة في فلسطين، والذي يتضمن تفهمًا لم تبده بريطانيا مِن قبْل لوجهة النظر العربية حول قضية فلسطين.
حيث أعلنت:
1- إنه ليس في سياستها الجديدة تحويل فلسطين إلى دولةٍ يهودية، أو تقسيمها بيْن العرب واليهود.
2- إنها ستنهي انتدابها رسميًّا على فلسطين في عام 1949م.
3- إنها ستعمل حتى انتهاء الانتداب -بعد عشر سنوات- على إقامة دولة فلسطين المستقلة، التي تكون فيها السلطة مشاركة بيْن العرب واليهود بما يحفظ مصالح الطرفين.
4- الحد مِن الهجرة اليهودية إلى فلسطين، حيث ستسمح بهجرة 75 ألف يهودي كحد أقصى خلال خمس سنوات، تخضع بعدها الهجرة اليهودية للموافقة العربية.
5- الحد مِن تملك اليهود في فلسطين، وحصره في مناطق معينة.
وهكذا أبدت الحكومة البريطانية تحولًا كبيرًا في سياستها في فلسطين، ولكنه كان تحولًا متأخرًا جدًّا؛ إذ ساهمت السياسة السابقة للحكومة البريطانية منذ بداية الانتداب وحتى ظهور الكتاب الأبيض في عام 1939م في وجود وطن بالفعل لليهود في فلسطين.
فقبل الانتداب كان عدد اليهود في فلسطين نحو 8 % مِن سكان فلسطين، وغالبيتهم مِن اليهود العرب، وعند صدور الكتاب الأبيض صار عددهم قرابة النصف مليون، أي نحو ثلث سكان فلسطين.
وقد شكَّل هؤلاء اليهود كيانًا جديدًا داخل فلسطين، يتميز بأمور، منها:
1- إنه مجتمع أوروبي، أكثره يهود أوروبيون.
2- إنه متفوق تكنولوجيًّا وتنظيميًّا وإداريًّا بحكم انتمائه السابق للحضارة الأوروبية الصناعية المتقدمة.
3 - إنه يمتلك مؤسساته العسكرية المدربة والمجهزة.
4 - إنه يتمتع بعلاقاتٍ دولية مع الغرب، خاصة بريطانيا وأمريكا.
5 - إنه متفوق ماليًّا بما يصله مِن دعمٍ خارجي متواصل.
وبعد هذا يبقى السؤال الذي يحتاج إلى إجابةٍ واضحة: هل هذا التغير في السياسة البريطانية تغيرًا حقيقيًّا نتيجة الشعور بالخطأ الذي وقعتْ فيه بريطانيا أم أنه تغير تكتيكي تسترضي به بريطانيا المنطقة العربية؛ طلبًا لاستقرار المنطقة على مشارف الحرب العالمية الثانية ومواجهة النارية؟!
توقف الثورة:
وبضغطٍ مِن بريطانيا أشار حكام وقادة العرب على زعماء الحركة الفلسطينية بوقف العصيان المدني خوفًا مِن إعاقة جهود الحكومة البريطانية في مواجهة ألمانيا النازية، وتمشيًا مع وقوف العرب إلى جانب بريطانيا في حربها ضد النازية.
وقد استجاب زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية لهذا المطلب، ولزموا جانب الصمت، بينما سعى اليهود إلى استغلال الأحداث مِن جديدٍ لتحقيق أطماعهم مستفيدين مِن صعود النازية في أوروبا مِن جهةٍ، ومِن تزايد الدور الأمريكي في الساحة الدولية خلال الحرب العالمية الثانية مِن جهةٍ أخرى.
مِن نتائج الثورة الفلسطينية في 1939م:
1- تغير السياسة البريطانية وإعادة حساباتها مِن جديدٍ في فلسطين بإصدار الكتاب الأبيض في مايو 1939م.
2- ازدياد التعاطف العربي مع الشعب الفلسطيني بصورةٍ لم تكن مِن قبْل، وشارك متطوعون مِن الدول العربية المجاورة في الثورة الفلسطينية.
3- اتجاه أنظار اليهود إلى أمريكا كحليفٍ جديدٍ لهم بعد ما طرأ على السياسة البريطانية في فلسطين مِن تغيير.