تأملات في النصيحة (7)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمَرَدُّ الموازَنة بيْن المصالح والمفاسد إلى أهل العلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رَحِمَهُ اللهُ-: "لَكِنَّ اعْتِبَارَ مَقَادِيرِ الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ هُوَ بِمِيزَانِ الشَّرِيعَةِ؛ فَمَتَى قدرَ الِإِنْسَانٍ عَلَى اتِّبَاعِ النُّصُوصِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهَا، وَإِلَّا اجْتَهَدَ رَأْيَهُ لِمَعْرِفَةِ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَقَلَّ أن تُعْوِز النُّصُوص مَن يكون خَبِيرًا بهَا وبدلالتها على الأحكام" (الاستقامة 2/ 217) .
فحقيقة الترجيح بيْن المصالح والمفاسد هو مِن أغمض أمور الاجتهاد عند مَن لا يفهم مقاصد الشريعة وأحكامها، وَرُتَب المصالح ومقاديرها؛ مِن أجل ذلك كان الاجتهاد هو بميزان الشريعة في تحقيق هذا الأمر.
قال شيخ الإسلام -رَحِمَهُ اللهُ- أيضًا: "وَأَصْلُ هَذَا أَنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ الْإِنْسَانِ الْمَعْرُوفَ وَبُغْضُهُ لِلْمُنْكَرِ، وَإِرَادَتُهُ لِهَذَا، وَكَرَاهَتُهُ لِهَذَا، مُوَافِقَةً لِحُبِّ اللَّهِ وَبُغْضِهِ وَإِرَادَتِهِ وَكَرَاهَتِهِ الشَّرْعِيِّينَ. وَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ لِلْمَحْبُوبِ وَدَفْعُهُ لِلْمَكْرُوهِ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا، وَقَدْ قَالَ: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (التغابن:16) " (مجموع الفتاوى 28/ 131-134) .
فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَكُونُ حُبُّهُ وَبُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ وَكَرَاهَتُهُ بِحَسَبِ مَحَبَّةِ نَفْسِهِ وَبُغْضِهَا، لَا بِحَسَبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبُغْضِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْهَوَى؛ فَإِنْ اتَّبَعَهُ الْإِنْسَانُ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ) (القصص:50) ؛ فَإِنَّ أَصْلَ الْهَوَى هو مَحَبَّةُ النَّفْسِ وَيَتْبَعُ ذَلِكَ بُغْضُهَا، وَنَفْسُ الْهَوَى -وَهُوَ الْحَبُّ وَالْبُغْضُ الَّذِي فِي النَّفْسِ- لَا يُلَامُ العبدُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ لَا يُمْلَكُ؛ وَإِنَّمَا يُلَامُ عَلَى اتِّبَاعِهِ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (ص:26) ، وَقَالَ -تَعَالَى-: ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ )... وَاتِّبَاعُ الْأَهْوَاءِ فِي الدِّيَانَاتِ أَعْظَمُ مِنْ اتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ فِي الشَّهَوَاتِ؛ فَإِنَّ الْأَوَّلَ حَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ اللهُ -تَعَالَى-: ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ )، وَقَالَ -تَعَالَى-: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) (المائدة:49) .
وَلِهَذَا كَانَ مَنْ خَرَجَ عَنْ مُوجِبِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ المنسوبين إلى الْعُلَمَاءِ والعباد يُجْعَلُ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ؛ وَذَلِكَ إنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ الْعِلْمَ فَقَدْ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَالْعِلْمُ بِالدِّينِ لَا يَكُونُ إلَّا بِهُدَى اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-؛ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَنْظُرَ فِي نَفْسِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ. وَمِقْدَارِ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ: هَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ وَهُوَ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مَأْمُورًا بِذَلِكَ الْحَبِّ وَالْبُغْضِ. لَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا فِيهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ قَدْ قَالَ: ( لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ) (الحجرات:1) ، وَمَنْ أَحَبَّ أَوْ أَبْغَضَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَفِيهِ نَوْعٌ مِنْ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ" (انتهى) .
هذه المسألة مِن أعظم المسائل أهميةً؛ لأن كثيرًا مِن الناس حين لا يدرك الطريقة الشرعية في الترجيح بيْن المصالح والمفاسد والموازنة بينها، وتَحَمُّل أدنى المفسدتين لدفع أعظمهما، وتفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما؛ عندما لا يدرك ذلك يتبع هواه، ويظن أن أمر الناس جميعًا في ذلك.
ومِن هنا يقول بعض الجهال: إن المصلحة والمفسدة "طاغوت العصر"!
ومنهم من يقول: إن مصلحة الدعوة صارت صَنَمًا يُعبد مِن دون الله -والعياذ بالله!-.