تأملات في النصيحة (7)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
وإن ذلك لأجل الجهل بطريقة الترجيح بيْن المصالح والمفاسد بموازين الشريعة، وبالعلم لا بالهوى! وحين ظنوا أن هذا الأمر كل واحد فيه يتبع هواه؛ ظنوا أن هذا مِن الطغيان، وأنه يمكن أن يكون طاغوتًا أو صنمًا يُعبد مِن دون الله؛ وهذا مِن الضلال البَيِّن؛ فإن ما شرعه الله -عَزَّ وَجَلَّ- لا يكون طغيانًا، فضلًا أن يكون طاغوتًا -أي إلهًا يُعبد مِن دون الله- في أصل الكلمة وظاهرها، ولا أن يكون صنمًا كما سماه البعض، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- عن شعيب -عليه السلام-: ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ) (هود:88) ، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( واللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) ، وقال: ( واللهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (المائدة:64) ؛ فكيف تكون مراعاة ما شرعه الله -عَزَّ وَجَلَّ- بموازين الشريعة صنمًا يُعبد؟! نعوذ بالله من ذلك، إنما يكون ادعاء رعاية المصلحة والمفسدة صنمًا يُعبد إذا قَدَّمَ الإنسانُ الكفرَ، وقالَ الكفرَ وفَعَلَه مِن أجل مصلحةٍ مُتَوَهَّمَةٍ يظنها للدعوة أو للمجتمع أو الناس؛ لأنه بذلك يكون قد قَدَّمَ أعظم المفاسد وضَيَّعَ أعظمَ المصالح -وهو التوحيد-، ولا يكون ذلك أبدًا فيمن يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ظاهرًا وباطنًا، ومن يحقق حقائق الإيمان بالله وبالملائكة، والكتب والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، والإسلام والشهادة، والصلاة والصيام، والزكاة والحج، ومِن الإحسان الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فإن مَن يختلط عليه مثل هذا الأمر حتى يجعل مَن لم يضيع هذه المصالح "لكونه يتكلم باسم المصلحة والمفسدة"؛ يعبد صنمًا أو طاغوتًا للاختلاف في المواقف السياسية؛ لا شك أن هذا مِن الجهل العظيم.
لذلك نقول: إن الثوابت التي لم تتغير في الشريعة قط مِن الإسلام والإيمان والإحسان، لابد وأن تظل هي المُقَدَّمَة دائمًا في المصالح، وما يضادّها مِن الشرك والتكذيب والكفر، والنفاق والشك، وغير ذلك مِن أنواع المُخالَفَة في العقيدة، هي أعظم المفاسد التي يجب درؤها؛ تُقَدَّم في الدفع والدرء على غيرها.
وأما المواقف السياسية، وطرق التعامل مع المخالفين -ابتداءً مِن الكفار والمنافقين وانتهاءً بالفسقة والمبتدعين مِن المسلمين، وما بين ذلك وما بعده كذلك- مِن الأمور الاجتهادية التي يقع فيها الخلاف بيْن أهل العلم وبيْن الناس عمومًا؛ فإن هذه تتسم بالمرونة بلا شك، قفد فعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- مِن ذلك مَن يعرفه مَن اطَّلَع على سُنَّتِه؛ فقد كان في مكة يقول لأصحابه: "كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ"، كما بَيَّنَ -عَزَّ وَجَلَّ- ذلك في قوله: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (النساء:77) ، ثم بعد ذلك أنزل اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عليه: ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ) (الحج:39) ، ثم أنزل اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) (البقرة:190) ، ثم أنزل اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:36) ، وفيما بيْن ذلك أنزل اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (الأنفال:61) ، وأنزلَ: ( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى? قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الأنفال:72) ، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:4) ، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ) (التوبة:6) .
إذن أنتَ تلحظ في هذه النصوص مرونة واسعة ما بيْن القتال، وما بيْن المُسَالَمَة والهدنة، والصبر والصفح والعفو عمَن آذى الله ورسوله إلى حين؛ وهذا التنوع في المواقف السياسية والحربية والسلمية مما يجب فهمه وإدراكه ليستعمل في الموضع اللائق به.
وهذه الموازنات مَرَدُّها إلى معرفه النصوص وترجيحاتها؛ فإن الله أنزل الكتاب ليحكم بيْن الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ) (البقرة:213) ، وكذلك بعث الرسول -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- حاكمًا يحكم بيْن الناس فيما اختلفوا فيه، وكذا سُنَّتُه مِن بعده، وقال -تعالى-: ( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (النساء:65) .
والخطر في هذا المقام: أن يتولى الترجيحات جاهلٌ أو مبتدعٌ منحرف عن منهج أهل السُّنة، يقدِّم هواه، ويظن أن ذلك هو اجتهاده المشروع! ليس كل ما يراه الإنسان يكون هو الشريعة؛ فإن مثل هذا المعني يعد تطبيقًا لقاعدة المصلحة والمفسدة على غير ما طبقها عليه أهلُ العلم!
فالعلماء يبحثون عن الشرع ويتقربون منه حتى ينظروا أين تكون المصلحة؟ والواقعة التي لا يعلمون فيها نصًّا شرعيًّا يقيسونها على أقرب نص شرعي؛ وليس المراد أنهم يقررونها بعقولهم.