تأملات في النصيحة (8)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقاعدة المصالح والمفاسد قاعدة مُسْتَقِرَّةٌ مُطَّرِدَةٌ في جميع أحكام الشريعة؛ قال الله -تعالى- على لسان شُعَيب -عليه السلام-: ( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ? وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ) (هود:88) ، وقال -سبحانه وتعالى-: ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ) (البقرة:205) ، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: ( وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (المائدة:64) . هذه الأدلة السمعية تدلنا على لزوم مراعاة المصالح والمفاسد.
ولابد أن يكون ذلك بميزان الشريعة؛ ومِن هنا يتضح الفرق بيْن مَن يقدِّمون أهواءهم باسم المصلحة دون أن يتمسكوا بالدين وأحكامه ومبادئه وبيْن مَن يطبِّقون هذه القاعدة الشرعية بموازينها الشرعية كذلك.
فلا يجوز أن يُطلِق أحدٌ أن مصلحة الدعوة أو مصلحة المجتمع أو مصلحة المسلمين صارت صَنَمًا يُعْبَد من دون الله!
ولا يجوز أن يطلق أن قضية "المصلحة والمفسدة" صارت طاغوت العصر! هذا نابعٌ مِن الجهل، وإهدار للأدلة الشرعية التي بَيَّنَها الكتابُ وبَيَّنَتْهَا السُّنَّة، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ- على لسان الخضر: ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ) (الكهف:79) ، فقد بَاشَرَ الإعابة مِن أجل أن يدفع عن أصحاب السفينة ضررًا أشد.
ولهذا نَقول: هذه الكلمات تخالف مقتضى الأدلة الشرعية، وإنكارها إنكارٌ لقاعدةٍ مُسْتَقِرَّةٍ في الدين، وإن كان هناك مِن الناس مَن يطبقها تطبيقًا خاطئًا بناءً على عدم معرفة موازين ورُتَب المصالح والمفاسد؛ فربما ارتكبَ الكُفْرَ أو قالَهُ أو فَعَلَهُ مِن أجل مصلحةٍ يَتَوَهَّمها -في سياسةٍ أو مالٍ أو اقتصادٍ أو أي مصلحةٍ دنيويةٍ- وهو يَعْلَمُ أن ذلك كفرٌ أو منهيٌّ عنه؛ فهذا مِن أعظم الخلل، وقد ينطبق عليه -إذا قامت عليه الحُجَّة- أن المصلحة الموهومة والمفسدة الموهومة عنده صارت صَنَمًا يُعْبَد من دون الله، لكن لا يجوز هذا الإطلاق؛ خصوصًا وأن مِن الناس مَن يتصور أن كل من رفع شعار: "المصلحة والمفسدة" ينطبق عليه هذا الكلام، ويستنكِر كثيرًا مِن المواقف المبنِيَّة على الأصول الشرعية اعتبارًا منه لهذه الكلمات الرَنَّانة المُجْمَلَة بوصف "المصالح والمفاسد" بأنها طاغوت!
ونعوذ بالله أن نَصِفَ شيئًا نَصَّ الشرعُ على اعتباره وأهميته بأنه طاغوت، وإنما يكون ذلك في الموهوم، وفي الذي يُقْدِم على الكفر -والعياذ بالله- أو على البدعة الضلالة مِن أجل ما يتوهم مِن مصالح دنياه.
لذلك نُقَرِّر أن الصلاحَ والفسادَ لابد أن يُوزَن بميزان الشريعة، وهذا إنما يقوم به إنسانٌ خبيرٌ بها "خصوصا في أوقات الفتن"؛ فأوقات الفتن هي أشد الأوقات خطورةً؛ بسبب اختلاط المصالح والمفاسد، فالأمور إن كانت خيرًا مَحْضًا أو شَرًّا مَحْضًا فإنه لا خلاف فيها، وإنما يكون الكلام دائمًا عند اختلاط المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات.
ولذلك كان الواجب علينا أن نعرِف الرُّتَبَ بيْن المصالح والمفاسد؛ فتُقَدّم مصلحة الإيمان، وتدْفَع مفسدة الكفر، وتُقَدّم مصلحة النفوس في حفظها -حفظ الأرواح أصلًا- ثم في حفظ الأعضاء ثم في حفظ المنافع -كحُرِّيَةِ الإنسان وعَدَم حَبْسِه-، وتدْفَع المفاسد المقابلة لذلك؛ تدْفَع مفسدة القتل -قتل النفوس- ثم تدْفَع مفسدة قطع الأعضاء، ثم تدفع مفسدة حَبْس الإنسان عن التحَرُّك ومنافِعِه.
فلو قيل لإنسانٍ: إن رِجْلَه التي أصيبت بداءٍ قاتلٍ لو تُرِكَتْ لأدَّى إلى مَوْتِهِ؛ فلا شك أنه يُقَدِّم قطعَ رِجْلِهِ ويَحْتَمِلُ ذلك الفساد دفعًا لمفسدة الهلاك والموت، وإذا قيل لإنسانٍ: نقطعُ رِجْلَكَ أو يَدَكَ أو نَفْقَأُ عينَك أو تُحْبَس؛ فلا شك أنه سيُقَدِّمُ الحبسَ دَفْعًا لمفسدة قطع الأعضاء، اللهمَّ إلا مَن طُمِسَتْ بصيرتُه أو ذهبَ عقلُه، أو اخْتَلَّ ميزانُ المصالح والمفاسد عندَه حتى يُقَدِّم الهلاك لتحقيقِ مُجَرَّدِ موقفٍ سياسيٍّ ومُحَافَظَة على كسبٍ في وظيفةٍ أو رُتْبَةٍ أو مكانٍ في الدولة ظَنَّ أنه لابد أن يُحافِظ عليه زاعمًا أن هذا هو الشرعية! وهذا خَطَرٌ عظيمٌ بلا شك؛ يحصل منه مِن أنواع الخلل عند كثيرٍ مِن الناس ما يُعرَف به فَسَاد مواقِفِه ومخالفتها لشرع الله -سبحانه وتعالى-.
والكلام في هذه القضية -اعتبار المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات- رُبَّمَا يُقَابَل بشيءٍ مِن السخرية ممَن لا يَعْتَبِر ذلك مِن الاتجاهات المُخالِفَة، الذين يرون حتمية المواجهة، وتغيير ما رَأَوه مُنْكَرًا على كل حالٍ بغض النظر عما يترتب على ذلك مِن الأضرار والمفاسد! بل رُبَّما قال بعضهم: ليس هناك شيءٌ يسمَّى بالمصالِحِ والمَفاسِدِ، ويَعُدُّون مَن يعتبر ذلكَ جبانًا أو عميلًا أو خائنًا أو مُخَالِفًا للشرعية أو مُضَيِّعًا لها! ولفظ الشرعية لابد أن يكون مرتبطًا بالشريعة؛ فهو الأصل في هذا الباب.
وبالنسبة لِرُتَبِ المَصَالِحِ بعدَ النُّفُوسِ: فلابد أن يُراعى مصلحة العِرْضِ والنَّسَبِ، ثم مصلحة العُقول، ثم مصلحة الأموال -كما تقدم ذلك-، ويدْفَع بنفس الترتيب أيضًا: انتهاك الأعراض، ثم فساد العقول، ثم تخريب الأموال أو ضياعها، ولابد أن نجتهد في وزن ذلك بميزان الشريعة، لا على حسب الأهواء.
وأما مَن يَسْخَرُون أو يُنْكِرون هذا الأمر: فقد دلَّ الواقِعُ -الذي لابد مِن دراسته ومعرفة موازين القوى فيه- أنهم عندما أَهْمَلُوا هذه الأمور ازدادت المَفَاسِد في الدين وفي النفوس وفي الأعراض وفي العقول والأموال، وظَهَرَت ظهورًا شديدًا، وضاعت مَصَالِح عظيمة كان مِن الممكن أن يُحَصِّلَ المسلمون قدرًا كبيرًا منها إذا راعوا قضية "المصلحة والمفسدة".
ولابد أن ننتبه في هذا الأمر أيضًا إلى قاعدة: "القدرة والعجز"؛ فإن اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا.