شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في النصيحة (8)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

والعجز نوعان: نوعٌ حِسِّي: يزول بزوال آلة الفعل، وآخر مَعْنَوِي: يكون بغلبة الظن بوقوع الأذى المعتبر شرعًا، وهو الذي يعتبر عذرًا في الإكراه؛ فإذا ثبت الإكراه زال الوجوب والتحريم عن الإنسان.

ومِن ذلك: إذا غَلَبَ على الظن قتل الآمر والناهي الداعي إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-، أو سجنه مُدَّةً مُعْتَبَرة يضيق فيها الحال بالإنسان، أو ثبت أنه يُهانُ إهانةً شديدةً أو يُعَذَّب تعذيبًا شديدًا -والعِبْرَة في ذلك بجَرَيانِ العَادَةِ؛ فإن الظَنَّ لا يَحْصُلُ إلا بتكرارِ الأمرِ حتى يُعْرَف أن هذا هو المعتاد، وليس أن يكون بمجرد الاحتمال أو خوف الحصول دون أن يغلب الظنُّ على ذلك-، فمَن غَلَب على ظَنِّه ما ذكرنا مِن قتلٍ أو حبسٍ أو تعذيبٍ -فضلًا أن يكون ذلك مُتَعَدِّيًا إلى غيره-؛ فإنه يكون معذورًا في ترك ما يجب عليه مِن تغييرٍ بِيَدٍ أو لسانٍ، بخلاف القلب فإنه يجب أن يكون كارهًا للمنكر في كل حال؛ لأنه لا سلطان لأَحَدٍ على قَلْبِهِ إلا الله.

وما كان مِن ضررٍ مُتَعَدٍّ على غيرِه: فإنه لابد وأن يجتنب القيام بما يؤدي إلى سفك نفوس الآخرين؛ فليس له أن يسامح في حق غيرِه، وإن تَحَمَّلَ في نفسِهِ وَصَبَر، فلا يجوز أن يُلزم الناس بترك الرخصة في هذا الباب.

وكَيْفَ إذا كان دِين المجتمع يحصل فيه ضررٌ عظيمٌ لغياب مَن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويدعو إلى الخير؟! أو بتدمير الكيانات الإسلامية الصحيحة التي تمنع انحراف الناس في عقائدهم ومعاملاتهم إلى مناهج أهل البدع -فضلًا عن الكفر والإلحاد-؟! فإن حِفْظَ الكيانات الإسلامية في ظروف الفِتَن أمرٌ واجبٌ لا يشك في وجوبه عاقلٌ، وهو يأتي في المرتبة تاليًا للحفاظ على العقيدة والمنهج، وما جاءت به النصوص الشرعية التي لا يُخْتَلَفُ فيها، وليستْ موضِعَ الاجتهاد.

ولابد أن ننظر أيضًا في قاعدة المآلات؛ فهذه ثالثة المسائل التي نتكلم فيها بعد المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز: النظر في المألات، وهذا يحصل أيضًا بغَلَبَة الظنِّ، ناتجًا عن دراسة الواقع وموازين القوى فيه دراسةً صحيحةً.

فإن مِن شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن لا يترتب على زوال المنكر -إن قُدِّر زوالُه- منكرٌ أشَدّ منه؛ فإن مَن فَعَل ذلك ليس بقادرٍ، أعني مَن غَيَّر المنكرَ، لكن تَرَتَّبَ على تغييره منكرٌ أعظم، فإن هذا ليس بقدرةٍ؛ لأن الغرض هو زوال منكرات الشرع مطلقًا لا ذاك المنكر بِعَيْنِه دون الآخر؛ وإنما المقصود زواله بالكلية، بخلاف ما لو زال المنكرُ وخَلَفَهُ ما هو معروفٌ فهذا واجبٌ شرعًا، وإذا لم يزل المنكر بالكلية وإنما قَلَّ فقط فهذا واجبٌ أيضًا، أما إذا زال وخَلَفَهُ ما هو شَرٌّ منه، أو فات ما هو أعظم منه مِن المعروف: فهذا مُحَرَّمٌ شرعًا، وهذا أمر يقع فيه كثيرٌ مِن الناسِ دونَ عِلْمٍ ودون إدراك ويظن أنه يُغَيِّر المنكر.

وبعض الناس يقول: "لَيْسَ بَعْدَ الكُفْرِ ذَنْبٌ؛ فالكفر أفظع المنكرات، والحكم بغير ما أنزل الله هو مِن الكفر، وموالاة أعداء الله كذلك، والصد عن سبيل الله من ذلك".

فنقول: نعم، هذه منكراتٌ، ولكن أفظع منها أن تبقى كما هي ويتغير أشخاصُها فقط، وأن يأتي مَن يؤذون المسلمين إضافةً إلى ذلك؛ فلا شك أن كافرًا لا يؤذي أفضل مِن كافرٍ يؤذي المسلمين، فلابد مِن فهم هذه المسألة جيدًا، ولا نُقْدِم فيها على قولٍ أو عملٍ إلا بعلم.

ونحب أن نُنَبِّه هنا على مسألة هامة في قضية الحكم بغير ما أنزل الله؛ فلابد أن نعرف أن قضية تطبيق الشريعة يكون الأمر فيها على درجتين: الدرجة الأولى: درجة القبول. والدرجة الثانية: درجة التطبيق والتنفيذ؛ فإذا وُجِد إنسان يُقَرِّر -بل ويُقْسِم على- أنه يَحْتَرِم الشرعَ، وأنه يريد أن يُطَبِّقَه، ويريد أن يَعُمَّ الشرعُ العَالَم، ولكن لابد مِن التدرج؛ نقول: لا شك أن هذا خيرٌ مِن الذي يقول: "أتريدون أن تردونا إلى جهالات القرون الوسطى؟؛ كفاكم تَخَلُّفًا ورَجْعِيَّةً بما تطلبون مِن تطبيق الشريعة!".

لا شك أن القبول يثبت به أصل الإيمان -وإن لم يقع التطبيقُ بَعْد-؛ فيكون ترك التطبيق في حالة الالتزام بالشريعة في التشريع العام كأصلٍ يُرجَع إليه ويُرَدُّ ما خَالَفَه، ويجب تعديل كل ما خَالَفَه -كما ينص على ذلك الدستور الذي يقسم الرؤساء والوزراء وأعضاء المجالس النيابية وغيرهم على احترامه-؛ مَن يقول إنه يقبل هذا ويلتزم به، لكنه لا يطبقه لا يكون كافرًا الكفرَ الأكبر، وهذه مسألة مهمة في هذا الباب لابد مِن مراعاتها؛ فإن كثيرًا مِن الناس يتسارع بالتكفير رغم وجود هذه النصوص في الدستور، ورغم تصريح القادة بذلك في احترامهم للشرع وتنفيذهم له، بل وإقرارهم ومعاونتهم على وجود هذه المواد في الدساتير المعتبرة.

وأما مسألةُ التنفيذ والتطبيق: فمَن قصَّر فيها وتَأَخَّرَ في التَدَرُّجِ الشرعي -الذي يُبنى على مراعاة المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز، أو استيفاء الشروط للحدود حتى تُقام على وجهها الشرعي- مَن قَصَّرَ في ذلك: فهو آثم، وأما مَن لم يُقَصِّر فعجز عن إقامة بعض الحقوق أو الحدود، أو مَن أخَّر شيئًا مِن الحدود؛ لأنه لم تُستوفَ الشروط الشرعية في مرتكبي ما يستوجب الحد أو في الشهود الذين يشهدون أو في القضاة الذين يحكمون؛ فإن هذا لا يكون مُقَصِّرًا؛ فمن عجز مثلًا عن القصاص وهو يحكم بيْن الناس في الدماء، لكنه استطاع أن يحكم في مسائل الديات وأن يسترضي الناس حتى يصلِح بينهم؛ فهذا أمرٌ مشروع لا يكون الإنسان مُقَصِّرًا في فِعْلِه؛ لأنه لا يحصل إقامة الحدود في هذه الحالة إلا بمفسدة أعظم، أو أن تحصل الحدود وتُقام على غير مَن يستحقها، أو أن يحكم بها من يَجْهَلُ الشرعَ ولا يعرفه حتى يطبقه، وكذلك مَن يكون في إقامته لها فسادٌ أعظم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية