المذهب العاطفي!
محمد القاضي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالناس يختلفون في عقلياتهم وبيئاتهم التربوية، وفي نظرتهم لأمور الحياة اختلافًا كبيرًا، وهذا جعلهم يختلفون في فهم الدين وأدلته، وبالتالي في تقريراتهم الشرعية وترجيحاتهم في مسائله اختلافًا كبيرًا، وقد ينضبط هذا عند بعضهم فترى المذاهب المنضبطة بأصول الشريعة في الجملة والتي لا تشذ في أقوالها إلا في النادر، وبعض هذه المذاهب هي مذاهب منحرفة لا تتقيد في أصولها بضوابط الكتاب والسُّنة، وقواعد الشريعة العامة أو الخاصة؛ فتراها منحرفة ضالةً في أصولها وفروعها بدرجةٍ تمثـِّل خطرًا على الأمة.
ولسنا بصدد الوقوف على هذه المذاهب القديمة؛ إذ نحن اليوم نستقبل ميلاد مذهبٍ جديدٍ تحكمه أصول وقواعد أيضًا؛ عامةُ أهله مِن الشباب الممتلئ بحب الخير، لا نريد أن نتسرع في الحكم عليهم حتى نرى هذا المولود الجديد، وما هي معالمه؟ وهل أيامه الحالية تبعث فينا أملَ بقائه أم تنبئنا بأنه لن يعيش كثيرًا، وهل سيكون هذا الغلام بارًّا بأهله أم عاقًّا لهم؟!
( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) (الشورى:10) ، ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) (النساء:59) ، لنرَ كيف يفكِّر أحبابنا الشباب لنحكم على هذا الفكر؟ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.
في الحقيقة هذا المذهب كما يبدو جليًّا مِن اسمه: "مذهب عاطفي"، والعاطفة المقصودة هنا هي عاطفة الحماسة، ولا نعني بها حماسة الشجاعة أو حماسة الرغبة في التغيير والنهوض، ولكن حماسة المحب الذي يطأ الزجاج المكسور بقدميه، ويحمل الجمر بيْن يديه دون أن يشعر بنزيف الدم المُنسال منه، ولا بعظامه التي انكشفت تحت لحمه مِن حريق الجمر، تؤزه عاطفته نحو هدفٍ هو في غالب الأمور سامٍ، لكن الطريق إليه وعرٌ، مزلةٌ خطر، ولكنه لا يأبه ويصر ألا يأبه! ويرى في استمرار سيره لبضع خطوات علامة على أنه سيصل، حتى ولو كانت سنن الحياة تقول خلاف ذلك، فمَن نزف جلَّ دمه لن يعيش أبدًا فضلًا عن أن يصل لغايته، والذي بدت عظام يده لن يمسك بهدفه ولو وصل إليه، والكسيح الأشل لن يكون فاعلًا في التغيير.
مَن ترك الأصول حُرم الوصول، ولكن أحبابنا هؤلاء، ظنوا أنهم سيضعون أصولًا جديدة تخترق حواجز الكون، وتكسر قواعد الطبيعة، فما المشكلة في أن نأخذ العظة مِن التاريخ، ولكن بطريقتنا، الحسن تنازل لمعاوية -رضي الله عنهما- عن الحكم، والحسين ثار على بني أمية، الحسين هو قدوتنا وهو مَن سنسير على خطاه، والحسن مخطئ، حتى ولو كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مدح الحسن لذلك، وحتى لو كان الصحابة نصحوا الحسين بألا يفعل!
لماذا لا يكون ابن الأشعث ومَن معه مِن التابعين قدوتنا في الخروج على الحجاج ومِن خلفه عبد الملك بن مروان؟! حتى لو كان ابن الأشعث فشل ومات مقتولًا طريدًا، وقتل معه جمع مِن أهل الفضل والعلم، وبقي الحجاج وزادت قوته، فلنمُت كما ماتوا ونقول كلمة حق في وجه سلطان جائر، حتى لو كانت كلمة الحق لن تغير؟ حتى لو كانت تضر قائلها ومَن وراءه! حتى لو كانت لن تغير شيئًا في الواقع، المطلوب أن تقول الكلمة حتى لو أدت لمفسدة أكبر، المفروض أن تقاتل كل يوم مَن لا تقدر عليه!
لماذا لا تكون بطلًا في وجه الغاصب المعتدي، حتى لو قتلك الغاصب المعتدي دون أن تنال منه أي شيء؟!
لم يكن موسى -عليه السلام- على حق حينما نهى الإسرائيلي عن قتال الفرعوني! لم يكن على حق حينما قال له: ( إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ) (القصص:18) ! قال القرطبي -رحمه الله-: "لأنه يشاد كل يوم مَن لا يقدر عليه".
هكذا لسان حالهم ولسان مقالهم إذا ألزمتهم الحجة أحيانًا، حتى إن المرء ليخاف إذا ناظرهم بالدليل أن يجحدوه انتصارًا لمذهبهم العاطفي الحماسي، وقد نصحني صادق ألا أذكر للشباب اليوم حال السلف مع حكامهم؛ لئلا يكفروا بالسلف، ومذهبهم ودينهم كله!
لسنا بصدد الكلام عن ولاية شرعية أو غير شرعية، ولا مساواة حاكم لا يدعي لنفسه الولاية الشرعية بخلفاء وولاة أمور شرعيين، ولا يلزم مِن التشبيه في وجهٍ مِن الوجوه المماثلة مِن كل الوجوه، ولكن أخذ الفائدة مِن اعتبار السلف لموازين المصالح والمفاسد، ولسنا أحرص منهم على الدين.
النبي -صلى الله عليه وسلم- قال للشاب الذي أراد الرخصة في الزنا: ( أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟ ), قَالَ: "لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ" (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، فقال: لا، ومِن شبابنا اليوم مَن لو سألته: أترضاه لأختك؟! لقال: نعم! إنها ثورة في الفهم والتأصيل والاستنباط، وبالتالي يتولد عنها كائن غريب في السلوك والواقع العملي، أحدهم علَّق على صورة خلف ضابط جيش مكتوب عليها: "اسم فلسطين"، وأخرى على الجزيرة القطرية عليها اسم دولة الاحتلال: "إسرائيل"، فقال: "هذا الفارق بيْن الواقع المر، والخداع وتغييب العقول"، هو بداية منحاز للجزيرة وضد الجيش، لذلك فالجزيرة حُلوة، وكل ما يأتي منها حُلو، حتى لو كان اعترافًا بالاحتلال، فهو "واقع"، فالجزيرة صادقة إذ ذكرت الواقع، والجيش مخادع ويغيب عقولنا!
أرأيت إلى هذه العقلية في التفكير والاستنباط، كيف نتعامل معها؟!
حينما يقترب الأمر مِن التشكيك في البدهيات لهذا الحد، كيف يكون حوارنا سويًّا؟!
وعلى أي أساس نتحاور؟!
إذا كان السلف أنكروا على الحكام وبايعوهم، فيأتي بعض الشباب يستدل بالإنكار على الحكام على عدم انتخاب حكامنا اليوم، ويستدل آخر بالمبايعة على عدم الإنكار على الحكام اليوم! الحقيقة لا أريد أن أسخر منهم، ولا أحب أن أكون أنا مَن يغلق الباب في وجه محاوري ما دام للخير طريق، لكن هذا المسلك في الاستدلال يشبه طريقة مَن يتعاطى مخدرات أو أدوية مهلوِسة، فهو يطير في البحر، ويسبح في السماء، ويراقب النجوم تحت السرير!
الهوى، ذلك الباب الذي لا قرار بعده، يهوي بصاحبه إلى حيث لا يعلمه إلا الله؛ لأنه فك زمام العقل، وتحرر مِن ضوابط الشرع؛ فما الذي يوقفه أن يتجه في أي اتجاه، ما دام هو يهواه؟!