المذهب العاطفي!
محمد القاضي • المنهج السلفي
ما يمنعه أن يرى الخضر مفسدًا وخائنًا لأمانة مَن أركبوه سفينتهم، حتى لو كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة بغير عيبٍ غصبًا؟! يرى مَن يعاون الظالم آثمًا حتى لو عاونه على البر والتقوى، وأنكر عليه الإثم والعدوان، ما دام اسمه ظالمًا، فالوقوف مع الظالم خيانة، والضحك إليه خيانة، والجلوس معه خيانة، والمرور جنب بيته خيانة، ولو سألونا خطة يعظمون فيها حرمات الله ما أجبناهم إليها! وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن صده عن المسجد الحرام حين صدوه: ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ) (رواه البخاري) ، وقد جلس -صلى الله عليه وسلم- إليهم، وكلمهم وعاهدهم، وما صده بغضهم وما فعلوه به عن أمرٍ كان فيه خير للمسلمين.
الهوى حين يسبق إلى النفس، فيضع القواعد والأسس ثم تأتي نصوص الشرع؛ فلا يقدر الإيمان بها على مقاومة الهوى وقواعده السابقة في النفس، فيلوي الهوى أعناق النصوص حتى يموت أثر هذا النص في نفس صاحب الهوى، والمؤمن المتبع يجعل هواه تبعًا لما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يقدِّم قولًا أو رأيًّا على قوله -صلى الله عليه وسلم-، فيأتيه النص على قلبٍ فارغٍ، جاهز لقبول الشرع، ثم تأتي كل فكرة وسلوك منقادًا لهذا الهدى الرباني النبوي.
والهوى الجديد الذي نراه اليوم ليس هوىً خارجيًّا أو اعتزاليًّا أو قدريًّا، لكنه جمع أطرافًا مِن هنا وهناك، ليصير هوى حماسيًّا عاطفيًّا، قابلًا لأن يصير محلًا لأي واحدٍ مِن الأهواء القديمة إن لم يجتمع فيه أكثر مِن واحد منها، وليس الخطر في وجود هوى منعزل في زاويةٍ مِن زوايا مجتمع عريض، لكن الكارثة أن يصير هذا الهوى هوىً عامًّا ومزاجًا سائدًا عند شباب الجيل، تحت تأثير غبيٍ يثير حفيظتهم كل يوم بغشمٍ أحمق أو ماكرٍ خبيث يطرق الحديد وهو ساخن ليشكله على مأربه المنحرف الذي لا يسير خلف نص، ولا يقف عند قاعدة، ولا يحترم سنة إلا ما أشرب مِن حماسته الجارفة التي قد تغرق الأخضر واليابس، حتى صار مَن أحضر العفريت لا يستطيع صرفه.
المِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو -رضي الله عنه-، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا تَقْتُلْهُ ) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ) (متفق عليه) . فهذه حماسة رجل يأنف ألا ينتقم ليده المقطوعة، لكنه يحكمها بكلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وشبابنا هؤلاء قد لا يعجبهم هذا الكلام -والعياذ بالله!-، ولا يريدون أن يسمعوه ابتداءً!
لابد مِن سدِّ منابع هذه الفتنة، إن كان أعياك كفُ الظالم، اللهم إلا مِن نصيحة؛ فأين أنت مِن الوقوف لهذا العابث بعقول أبنائنا ليل نهار، أين أنت مِن مفارخ هائلة للأفكار السامة والكلمات المسعرة للحروب، والأكاذيب المضللـة والشائعات المشنعة على أهل العلم وسعاة الإصلاح، حتى صار عددٌ هائلٌ مِن الشيوخ جليس بيته، حبيس صمته؛ خشية أن يشتموه أو يلعنوه أو يكفروه أو يجمعوا الكل له، وحتى صار نصف الصف الإسلامي أو يزيد منافقين خونة منبطحين.
إذا كان هؤلاء يفسدون كل هذا الإفساد؛ فلماذا السكوت عنهم وعدم بيان شرهم، وأبواب أهوائهم الخبيثة ليهلك مَن هلك عن بينةٍ ويحيى مَن حيّ عن بينة، وليتعظ أبناؤنا وإخواننا وشبابنا الذين هم أغلى ما نملك، وأعظم ما ندخر لغد، والله أعلم بما في غدٍ؟!
نسأل الله أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.