شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مِن صور الكفاح الفلسطيني... انتفاضة الحجارة (1987م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سمِّيت الانتفاضة الفلسطينية التي بدأتْ في "8 -12-1987م" بانتفاضة الحجارة، حيث كانت الحجارة هي الأداة الرئيسية للمقاومة فيها، كما عرف رماة الحجارة مِن الصغار بـ(أطفال الحجارة!).

وقد جاءت هذه الانتفاضة كشكلٍ مِن أشكال الاحتجاج العفوي مِن الشعب الفلسطيني على الوضع العام الذي يعانون منه لأسبابٍ عديدة، منها:

1- القمع اليومي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

2- عدم تقبل الفلسطينيين لهذا الاحتلال.

3- تردي الأحوال الاقتصادية للفلسطينيين.

4- تجاهل القادة مِن العرب والمسلمين للقضية الفلسطينية، ومعاناة الشعب الفلسطيني.

5- ما نقلته وكالات الأنباء أيضًا عن تجاهل قمة (ريجان - وجورباتشوف) للقضية الفلسطينية، ومسألة عقد مؤتمر دولي بشأنها في مباحثات القمة بينهما في واشنطن صباح "8-12-1987م"، باعتبارها قضية غير عاجلةٍ.

بداية الانتفاضة:

جاءتْ شرارة هذه الانتفاضة مِن قطاع غزة، حيث كان القطاع بكثافته السكانية ومخيمات اللاجئين فيه يعاني في ظل الاحتلال الإسرائيلي مِن سوء الأحوال الاقتصادية والإجراءات التعسفية مِن سلطات الاحتلال.

وفى الثامن مِن ديسمبر 1987م صدمتْ سيارة إسرائيلية عددًا مِن العمال الفلسطينيين؛ مما أسفر عن قتل أربعة فلسطينيين وإصابة آخرين، وتردد أن الحادث عمل انتقامي مِن جانب الإسرائيليين؛ مما ترتب عليه نزول الفلسطينيين إلى الشوارع؛ للتظاهر، وقذفهم لدورية إسرائيلية بالحجارة.

وازداد عدد المتظاهرين الغاضبين إلى عدة آلاف، وسرعان ما امتدت المظاهرات الغاضبة إلى كل أنحاء غزة والضفة الغربية، لتتحول إلى انتفاضةٍ شعبيةٍ فلسطينيةٍ، ولشمولية الانتفاضة لم تستطع قوات الاحتلال المسلحة -رغم استخدام القوة المفرطة في مواجهة المظاهرات الغاضبة- إخمادها.

الانتفاضة داخل إسرائيل:

وفي "21-12-1987م" امتدت الانتفاضة إلى داخل إسرائيل نفسها؛ إذ قام العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل مِن قبْل عدوان يونيو 1967م، ويحملون الجنسية الإسرائيلية -ويزيد عددهم عن 750 ألف عربي فلسطيني- بالمشاركة في الانتفاضة؛ مما سبب مفاجئة غير متوقعة للحكومة الإسرائيلية التي كانت تظن أنها قد استوعبت عرب إسرائيل، وانتزعتهم مِن جذورهم الوطنية الفلسطينية، وجاء امتداد الانتفاضة إلى الأراضي المحتلة منذ 1948م في مناطق: "الجليل، والمثلث، والنقب" سابقة أذهلت القادة الإسرائيليين!

لقد كشف إحصاء إسرائيلي أجري عام 1987م أن 59% مِن السكان العرب تقل أعمارهم عن 16 عامًا، أي وُلدوا في ظل الاحتلال الإسرائيلي، ومع ذلك فلم يرضخوا للأمر الواقع، بل تمردوا عليه، ولو باستعمال الحجارة في وجه قوات الاحتلال المدججة بالسلاح؛ للتعبير عن هذا التمرد.

منظمة التحرير الفلسطينية تتبنى الانتفاضة:

وقد قامت منظمة التحرير الفلسطينية بدعم الانتفاضة حيث قررت اللجنة المركزية لمنظمة فتح في "9-1-1988م" تشكيل لجنة عليا لمتابعة تطورات الانتفاضة ومساندتها، كما سعت سياسيًّا إلى مساندة الانتفاضة عربيًّا ودوليًّا.

وقد زاد مِن اشتعال الانتفاضة الاحتفال بذكرى يوم الأرض في "30-3-1988م"؛ مما زاد الانتفاضة ضراوة في كل الأنحاء رغم إعلان قوات الاحتلال الإسرائيلية حالة الاستعداد القصوى لمواجهة ذكرى يوم الأرض الذي توقع الجميع ازدياد الانتفاضة فيه!

أثر الانتفاضة على عرب إسرائيل:

لم يكتفِ عرب إسرائيل مِن الفلسطينيين بالتظاهر تضامنًا مع إخوانهم وأقاربهم في الأراضي المحتلة بعد حرب 1967م في غزة والضفة الغربية، بل ساهموا بتقديم المساعدات الغذائية والطبية والمادية لقرى ومخيمات ومدن غزة، والضفة الغربية عن طريق وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة (الأنروا)؛ لكسر حصار التجويع الذي تفرضه سلطات الاحتلال عليهم.

وقد قام عرب إسرائيل مِن فلسطيني 1948م الذين يملكون طبقًا للقانون الإسرائيلي 285 ألف صوت في الانتخابات الإسرائيلية بإعداد أنفسهم للدخول لأول مرة ككتلة واحدة في انتخابات الكنيست الإسرائيلي في نوفمبر 1988م، للقيام بتحركٍ سياسيٍ موحدٍ، يدعم المطالب والمصالح الفلسطينية.

ولما كانت القوانين الإسرائيلية داخل إسرائيل تمنع إنشاء أحزاب عربية خالصة؛ ظهر اقتراح بدخول عرب الفلسطينيين داخل إسرائيل في ائتلاف مع بعض أحزاب وحركات المعارضة الإسرائيلية التي أظهرتْ معاداتها للممارسات القمعية الإسرائيلية ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وتساند جهود السعي للسلام في المنطقة، كحركة: (السلام الآن)، و (الجبهة التقدمية للسلام)، و(الحزب الشيوعي الإسرائيلي راكاح)، والتي قام عدة آلاف منها -مِن يهود إسرائيل- بتظاهراتٍ -داخل إسرائيل- منددة بالقمع الإسرائيلي الوحشي ضد المتظاهرين الفلسطينيين، وشاركهم في ذلك عددٌ مِن الشخصيات مِن أساتذة الجامعات والكتاب والعلماء والفنانين اليهود.

المساندة العربية للانتفاضة:

في مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الجزائر في يونيو 1988م تقرر تقديم المساندة والدعم المالي للشعب الفلسطيني -الذي قام بالانتفاضة وهو يعاني وطأة الاحتلال والتعسف الإسرائيلي- لمواصلة المقاومة والثورة.

التحركات السياسية العربية لاستثمار الانتفاضة:

في 31-7-1988م أعلن الأردن فك ارتباطه القانوني والإداري مع الضفة الغربية؛ مما يمهد لمنظمة التحرير الفلسطينية مِن إعلان الاستقلال، وإقامة دولة فلسطينية تحت الاحتلال، وعليه اتخذت منظمة فتح قرارها التاريخي في اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في "15-11-1988م بإعلان قيام دولة فلسطين تحت الاحتلال وعاصمتها "القدس".

ودعا المجلس إلى عقد مؤتمرٍ فعالٍ لبحث القضية الفلسطينية تحت رعاية الأمم المتحدة، وبحضور كل أطراف النزاع بما فيها منظمة التحرير ممثلة للشعب الفلسطيني، على أساس قراري مجلس الأمن رقمي: (242, 338).

الصفحة التالية