شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

مِن صور الكفاح الفلسطيني... انتفاضة الحجارة (1987م)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وأمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في (جينيف) أعلن ياسر عرفات في "13-12-1988م" قبوله للقرارين 242، و338، ونبذ العنف ضد إسرائيل! جريًا وراء أوهام السلام! مما مهد لبدء المحادثات بيْن الخارجية الأمريكية وممثلي المنظمة، وكانت الخارجية الأمريكية ترفض قبْل ذلك إجراء أي مباحثاتٍ مع المنظمة قبْل إعلان ترك المنظمة العنف (أي المقاومة المسلحة) ضد إسرائيل؛ إرضاءً لإسرائيل!

وقد أقيمتْ هذه الجلسة للجمعية العمومية للأمم المتحدة بصورةٍ استثنائيةٍ في (جينيف) -لا في (نيويورك) مقر الأمم المتحدة- حتى يتمكن "ياسر عرفات" مِن إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة، حيث رفضت أمريكا إعطاء عرفات تأشيرة الدخول لأمريكا وإلقاء كلمته أمام المنظمة الدولية في مقرها في نيويورك.

وظهرت بالفعل محاولات للنظر في حل القضية الفلسطينية سلميًّا أمام هذه الانتفاضة الشعبية الفلسطينية القوية، ولكن هذه المحاولات لم تأتِ بالثمار المرجوة، خاصة مع غزو الرئيس العراقي "صدام حسين" للكويت في "2-8-1990م"، ليصرف الجهود الدولية عن هذه المحاولات، بل ويتسبب في خمود الانتفاضة الفلسطينية نفسها!

استماتة الانتفاضة:

استمرت الانتفاضة الفلسطينية مشتعلة طوال عامي: (1988- 1989م)، وببسالةٍ وشجاعةٍ منقطعة النظير، رغم التضحيات الكبيرة التي قدمتها!

لقد تميزت الانتفاضة بكونها عصيانًا مدنيًّا واسعًا طويلًا في مواجهة الاحتلال، وقد تم إنشاء لجان محلية داخل المخيمات الفلسطينية عملتْ على التنظيم غير المسلح للشارع الفلسطيني، والشد مِن أزره، والتقريب بيْن صفوفه، وتوفير المؤونة والأدوية، والاحتياجات الضرورية خاصة في المخيمات والمناطق التي طبق فيها حظر التجول.

وفي المقابل: قام الجيش الإسرائيلي بحملة اعتقالاتٍ واسعةٍ، مع ضرب شديد وتعذيب بلغ حد تكسير عظام المتظاهرين والمعتقلين عمدًا، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي والممتلكات.

وقد حركت هذه البلطجة الإسرائيلية والقوة المفرطة وصمود الفلسطينيين في مواجهتها القضية الفلسطينية مِن جديدٍ، وأثارت الرأي العام العالمي ضد إسرائيل؛ مما دفع أمريكا والأمم المتحدة إلى توجيه الانتقادات لإسرائيل.

لقد بلغ المعدل اليومي للشهداء مع نهاية الشهر الثامن مِن الانتفاضة ما بيْن 3 - 4 شهداء يوميًّا، وجملة الضحايا نحو 396 جريحًا يوميًّا، منهم أطفال -بل ورضع- وشيوخ.

لقد صدرت الأوامر لجنود قوات الاحتلال بكسر عظام المتظاهرين عقابًا لهم على قذفهم للجنود بالحجارة، حتى بلغ عدد الجرحى ممن كسرت عظام أطرافهم عمدًا حوالي 17 ألف مصاب، وبلغ عدد الذين اعتقلوا نحو 30 ألف معتقل ومعتقلة، منهم 25 % مِن الأطفال تحت سن 13 سنة، والذين أطلق عليهم: (أطفال الحجارة)، وتم نسف ما لا يقل عن مائة بيت، ترك سكانها في العراء، وتم إبعاد 28 شابًا عن وطنهم، بزعم قيادتهم للانتفاضة، وتعرضت أكثر مِن 200 امرأة فلسطينية مِن الحوامل للإجهاض.

وقد قامتْ إسرائيل بجلب مجموعاتٍ مِن عصابات القتلة المحترفين مِن أمريكا لدعم ميليشيات المستوطنين الإسرائيليين في غاراتهم العدوانية على القرى الفلسطينية، إلى جانب إحراق المئات مِن الهكتارات مِن المزارع الفلسطينية، أو رشها بالمواد الكيماوية السامة، ومصادرة آلاف الدولارات والشيكل (العملة الإسرائيلية) مِن المواطنين الفلسطينيين بدعوى أنهم يقومون بتمويل الانتفاضة بها، وتم زيادة الرسوم المالية على المواطنين الفلسطينيين، وفرض الحصار الاقتصادي عليهم لمنع الغذاء والدواء، والحاجات الأساسية عنهم.

تداعيات الانتفاضة على إسرائيل:

رغم الخسائر الفادحة للفلسطينيين "البشرية والمادية"؛ فقد تحملها الشعب الفلسطيني، أما إسرائيل فرغم كل المحاولات الوحشية لقمع الانتفاضة؛ فقد عانتْ أيضًا مِن تبعات الانتفاضة عليها، فلقد تحولت الانتفاضة إلى ما يشبه حرب استنزاف يصعب على إسرائيل تحمل استمرارها لطبيعتها الاقتصادية والسكانية.

وبلغت الانتفاضة ذروتها في شهر فبراير 1988م، عندما نشر مصور إسرائيلي صور جنود يكسرون أذرع فلسطينيين عُزل باستخدام الحجارة في نابلس؛ تنفيذًا لما هدد به "إسحاق رابين" في الكنيست الإسرائيلي مِن تكسير أيدي وأرجل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لإيقاف الانتفاضة، بعد أن عجزت القوة العسكرية الإسرائيلية تمامًا في مواجهتها!

وجاء إضراب العمال الفلسطينيين الذين كانوا يمثـِّلون وقتها 11% مِن مجموع الأيدي العاملة في إسرائيل ليكلف الاقتصاد الإسرائيلي خسارة بلغت 13 مليون شيكل يوميًّا.

وقد ذكرت مصادر طبية في إسرائيل أن اثنين مِن بيْن كل ثلاثة مِن الجنود الإسرائيليين الذين كانوا يؤدون الخدمة العسكرية في غزة والضفة الغربية صارا يترددان على العيادات النفسية للعلاج؛ نتيجة الإصابة بحالاتٍ مَرَضِيَّةٍ نفسيةٍ مختلفةٍ؛ بسبب اضطرارهم إلى تنفيذ الأوامر باستخدام أقصى درجات العنف والقمع الوحشي ضد الصبية والشباب الفلسطينيين، حتى إنهم أطلقوا على "إسحاق رابين" -وزير الدفاع في حكومة شامير وقتها- لقب: (جنرال تكسير عظام الأطفال)، بل ذكرت مئات مِن أمهات هؤلاء المجندين للأطباء النفسيين أن كوابيس ثقيلة تهاجم أبناءهم المجندين أثناء النوم؛ مما جعل الأطباء النفسيين يؤكِّدون أن هؤلاء الجنود -المرضى النفسيين- لن يستطيعوا ممارسة مهامهم القتالية بالصورة المطلوبة منهم في حالة نشوب حرب في غضون عامٍ على الأقل.

وقد شهدت الانتفاضة بداية ظهور حركة (حماس) كحركة مقاومة إسلامية تنادي بالجهاد لتحرير كامل فلسطين، وكانت البداية مِن (جباليا) في غزة، ثم انتقلتْ إلى باقي مدن وقرى ومخيمات فلسطين.

تراجع الانتفاضة:

مع دخول عام 1990م بدأتْ مظاهر تراجع الانتفاضة لعوامل عديدة، منها:

1- المعاناة الاقتصادية للفلسطينيين:

فالانتفاضة التي أخذتْ صورة العصيان المدني الشامل أو شبه الشامل لمدة تزيد عن عامين كانت تحتاج إلى دعمٍ ماليٍ كبيرٍ، وأدى عدم وجود هذا الدعم المطلوب إلى مشكلةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ للفلسطينيين.

ومما زاد مِن ضراوتها:

أ- ضآلة الدعم المادي العربي رغم قرارات دعم الانتفاضة في مؤتمر القمة العربي في الجزائر في يونيو عام 1988م.

الصفحة السابقة الصفحة التالية