تأملات في النصيحة (9)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِن المقالاتِ أن مدارَ النُّصح للمسلمين هو حفظ مصالحهم؛ أفرادًا وأُسَرًا وجماعات، وبلادًا ومجتمعات، والأمة كلها، وهذه المصالح تدور حول المصالح الضرورية الخمسة: "الدِّين - النفس - العِرض - العقل - المال"، والعِرض مرتبط بالنسب.
ونُبَيِّن اليوم أنواع المصالح مِن حيث اعتبارها.
قَسَّم أهلُ العلم أنواع المصلحة -من حيث اعتبارها شرعًا- إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المصلحة المُعْتَبَرة:
وهي المصلحة التي اعتبرها الشرعُ بِنَصٍّ أو إجماع، قال إلامام الغزالي -رَحِمَهُ اللهُ-: "أَمَّا مَا شَهِدَ الشَّرْعُ لِاعْتِبَارِهَا فَهِيَ حُجَّةٌ... وَيَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى الْقِيَاسِ، وَهُوَ اقْتِبَاسُ الْحُكْمِ مِنْ مَعْقُولِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ... وَمِثَالُهُ: حُكْمُنَا أَنَّ كُلَّ مَا أَسْكَرَ مِنْ مَشْرُوبٍ أَوْ مَأْكُولٍ فَيُحَرَّمُ قِيَاسًا عَلَى الْخَمْرِ؛ لِأَنَّهَا حُرِّمَتْ لِحِفْظِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، فَتَحْرِيمُ الشَّرْعِ الْخَمْرَ دَلِيلٌ عَلَى مُلَاحَظَةِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ...
نَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ: الْمُحَافَظَةَ عَلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَنَفْسَهُمْ وَعَقْلَهُمْ وَنَسْلَهُمْ وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ وَدَفْعُهَا مَصْلَحَةٌ.
وَهَذِهِ الْأُصُولُ الْخَمْسَةُ حِفْظُهَا وَاقِعٌ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورَاتِ، فَهِيَ أَقْوَى الْمَرَاتِبِ فِي الْمَصَالِحِ...
وَمِثَالُهُ: قَضَاءُ الشَّرْعِ بِقَتْلِ الْكَافِرِ الْمُضِلِّ وَعُقُوبَةِ الْمُبْتَدِعِ الدَّاعِي إلَى بِدْعَتِهِ؛ فَإِنَّ هَذَا يُفَوِّتُ عَلَى الْخَلْقِ دِينَهُمْ، وَقَضَاؤُهُ بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ؛ إِذْ بِهِ حِفْظُ النُّفُوسِ، وَإِيجَابُ حَدِّ الشُّرْبِ؛ إذْ بِهِ حِفْظُ الْعُقُولِ الَّتِي هِيَ مِلَاكُ التَّكْلِيفِ، وَإِيجَابُ حَدِّ الزِّنَا؛ إذْ بِهِ حِفْظُ النَّسْلِ وَالْأَنْسَابِ، وَإِيجَابُ زَجْرِ الْغُصَّابِ وَالسُّرَّاقِ؛ إذْ بِهِ يَحْصُلُ حِفْظُ الْأَمْوَالِ الَّتِي هِيَ مَعَاشُ الْخَلْقِ وَهُمْ مُضْطَرُّونَ إلَيْهَا.
وَتَحْرِيمُ تَفْوِيتِ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَالزَّجْرِ عَنْهَا يَسْتَحِيلُ أَنْ لَا تَشْتَمِلَ عَلَيْهِ مِلَّةٌ مِنْ الْمِلَلِ وَشَرِيعَةٌ مِنْ الشَّرَائِعِ الَّتِي أُرِيد بِهَا إصْلَاحُ الْخَلْقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَخْتَلِفْ الشَّرَائِعُ فِي تَحْرِيمِ الْكُفْرِ وَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ" (انتهى مِن المستصفى، ص 173-174) .
وإذا تَقَرَّر هذا فإن المصلحة قد تكون منصوصًا عليها في كلام الشارع، وقد لا تكون منصوصًا عليها؛ فيهتدي إليها العالم بالفهم الذي يؤتاه في كتاب الله وسنة رسوله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فالله -سبحانه- يؤتي الحكمة مَن يشاء.
ومِن أمثلة ذلك:
1- قوله -تعالى-: ( وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ) (طه:14) .
2- وقوله: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى? لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ) (الأنفال:39) .
3- نهي النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الجمعِ بين المرأةِ ومَحَارِمِهَا؛ منعًا مِن القطيعة؛ وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ" (أخرجه الطبراني في الكبير) .
4- ومِن ذلك: وجوب اعتزال النساء في المحيض؛ لأنه أذى؛ لقوله -تعالى-: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ ) (البقرة:222) ، وإذا ثبت أن حال النفاس كحال الحيض في التعرض للأذى؛ وجب اعتزال النساء فيه كذلك؛ قياسًا على الحيض؛ للاشتراك في العلة. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا.
فالمصلحة المعتبرة هي التي تبنى عليها الأحكام بمقتضى العقولِ السَّلِيمَة والفِطَرِ السَّوِيَّة، المُحَقِّقَةِ لِمُرَادِ الشَّرْعِ مِن العبودية، وليس لمجرد الهوى والظن والتخمين.
قال الإمام الشاطبي -رَحِمَهُ اللهُ-: "الْمَصَالِحُ الْمُجْتَلَبَةُ شَرْعًا وَالْمَفَاسِدُ الْمُسْتَدْفَعَةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ تُقَامُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لِلْحَيَاةِ الْأُخْرَى، لَا مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِي جَلْبِ مَصَالِحِهَا الْعَادِيَّةِ، أَوْ دَرْءِ مَفَاسِدِهَا الْعَادِيَّةِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا: مَا سيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى- مِن أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِتُخْرِجَ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ دَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا عِبَادًا لِلَّهِ؛ وَهَذَا الْمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ فَرْضِ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَفْقِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَطَلَبِ مَنَافِعِهَا الْعَاجِلَةِ كَيْفَ كَانَتْ، وقد قال ربنا- سبحانه: ( وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ) (المؤمنون:71) .
القسم الثاني: مصلحة شهد الشرع لبُطْلَانِها (المصلحة المُلْغَاة):
وهي ما شهد الشرع بإلغائها. وهي باطلة اتفاقًا، ولا يجوز الاحتجاج بها -وَإِن تَوَهَّمَ البعضُ وخُيِّلَ للعقلِ أن فيها صلاحًا-.