تأملات في النصيحة (9)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ومِثَالُهَا: ما حكاه الإمام الغزالي -رَحِمَهُ اللهُ- وغيرُه: مِن أن يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي، صاحب الإمام مالك -رَحِمَهُ اللهُ-، أفتى السلطانَ عبد الرحمن الدَّاخِل -لَمَّا وَاقَعَ جاريةً له في نهار رمضان- بصيام شهرين متتابعين، نظرًا لحالِهِ المُناسِب؛ فلما خرج رَاجَعَهُ بعضُ الفقهاء، وقالوا له: "القادر على إعتاق رقبةٍ؛ كيف يعدل به إلى الصوم؛ والصوم وظيفة المعسرين؟! فهذا الملك يملك عبيدًا غير محصورين"، فقال لهم: "لو فتحنا عليه هذا الباب لَسَهُل أن يخطأ كل يوم ويعتق رقبة؛ فلا يزجره إعتاق الرقبة؛ ويزجره صوم شهرين متتابعين"، وهذا القول باطلٌ باتفاق مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهل العلم؛ إذ هذه المصلحة مُتَوَهَّمَة باطلة، وليست مصلحة في الحقيقة" (الموافقات: 2/ 63) .
قال الإمام الغزالي -رَحِمَهُ اللهُ-: "فَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ وَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الْكِتَابِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَفَتْحُ هَذَا الْبَابِ يُؤَدِّي إلَى تَغْيِيرِ جَمِيعِ حُدُودِ الشَّرَائِعِ وَنُصُوصِهَا بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ. ثُمَّ إذَا عُرِفَ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعِ الْعُلَمَاءِ لَمْ تَحْصُلْ الثِّقَةُ لِلْمُلُوكِ بِفَتْوَاهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ مَا يُفْتُونَ بِهِ فَهُوَ تَحْرِيفٌ مِنْ جِهَتِهِمْ بِالرَّأْيِ" (المستصفى، ص 174) .
ولا شك أن تعطيل النصوص بزعم المصلحة -كما في تحليل الربا والخمور- لما يتوهمه البعض مِن تحقيق مصلحة اقتصادية جاء النص بإلغائها، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (المائدة:90) ، وقال -تعالى-: ( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) (البقرة:275) ، وقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( إِنَّ اللهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ) (متفق عليه) .
أو أن ينادي البعضُ بالمساواة بيْن الذكر والأنثى في الميراث بحجة الأخوة الجامعة بينهما، وهذا مردود بلا شك؛ لورود النص الذي يدل على إلغائه، وهو قوله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء:11) ، وقوله: ( وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء:176) .
وكذلك سائر المحرمات بزعم المصلحة، وكذا تعطيل الحدود؛ هو مِن هذا الباطل الذي يراد به هدم الشريعة، ومِن هنا نعلم أن نصوص الشريعة هي الأصل في معرفة المصالح، وليس العكس.
القسم الثالث: المصلحة المسكوت عنها:
وهي ما سكت عنها الشارع، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.
قال الإمام الشاطبي -رَحِمَهُ اللهُ- في: "الثَّالِثُ: مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّوَاهِدُ الْخَاصَّةُ، فَلَمْ تَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا بِإِلْغَائِهِ... " (الاعتصام 2/ 611) .
وهذا النوع مِن المصلحة:
1- إما يكون موافقًا للقواعد العامة للشريعة والمقاصد الكلية لها؛ فيُلْحَق بالمصلحةِ المُعْتَبَرَة -وإن لم يدل عليه دليلٌ خاص-، وهذا ما يطلق عليه عند أهل العلم: "المصلحة المرسلة"؛ فهي مصلحةٌ مِن حيث ملاءمتها لمقاصد الشريعة وتصرفاتها، ومُرْسَلَة مِن حيث إنه لم يشهد لها دليلٌ خاص.
ومثال ذلك: جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ-، مع أنه لا يوجد دليل أو نص خاص ينص على هذه المسألة؛ قال الإمام الشاطبي -رَحِمَهُ اللهُ-: "إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِ الْمُصْحَفِ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وَكَتْبِهِ أَيْضًا، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَقْتَلَ (أَهْلِ) الْيَمَامَةِ، وَإِذَا عِنْدَهُ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ لِي: هُوَ -وَاللَّهِ- خَيْرٌ.. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لَهُ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ.
قَالَ زَيْدٌ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. قَالَ زَيْدٌ: فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ صَدْرَيْهِمَا؛ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاقِ وَالْعُسُبِ وَاللِّخَافِ، وَمِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ. فَهَذَا عَمَلٌ لَمْ يُنْقَلْ فِيهِ خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ" (الاعتصام 2/ 612-613) .