شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في النصيحة (9)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

فجَمْع القرآن مِن المصاحفِ وإن لم يَرِد فيه دليلٌ خاص يدل على فِعْلِه أو تَرْكه، إلا أن أصحاب رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رأوا مِن المصلحة فِعْل ذلك؛ عَمَلًا بالقواعد العامة الداعية إلى حفظ الدين، والقرآن الكريم مِنْ أَهَمِّ أُصولِهِ بلا شك.

وقال -رَحِمَهُ اللهُ-: "وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ كَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ وَأَهْلَ الْعِرَاقِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذْرَبِيجَانَ، فَأَفْزَعَهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُرْآنِ؛ فَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَدْرِكْ هَذِهِ الْأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ كَمَا اخْتَلَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَرْسِلِي إِلَيَّ بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّهَا عَلَيْكِ. فَأَرْسَلَتْ حَفْصَةُ بِهَا إِلَى عُثْمَانَ؛ فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَإِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، ثُمَّ قَالَ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثَةِ: مَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّهُ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ.

قَالَ: فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، بَعَثَ عُثْمَانُ فِي كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِنْ تِلْكَ الْمَصَاحِفِ الَّتِي نَسَخُوهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ" (انتهى) .

ومِن ذلك: تضمين الصُنَّاع -وتضمين الصُنَّاع دون تفريط فيه خلاف بيْن أهل العلم-، وقَتْلُ الجماعةِ بالواحِدِ -وقتل الجماعة بالواحد يحتج عليه بالعموم، وبآثار الصحابة التي لا يُعلم لها مخالف-، وصك النقود، وتدوين الدواوين، ونحو هذا مما يلائم مقاصد الشريعة، ولا يتعارض مع نصٍّ مِن نصوصها.

وقال الإمام الشنقيطي -رَحِمَهُ اللهُ-: "واعلم أن الإمام مالكًا يراعي المصلحة المرسلة في الحاجيات والضروريات كما قرره علماء مذهبه. ودليل مالك على مراعاتها: إجماع الصحابة عليها، كتولية أبي بكر لعمر، واتخاذه السجون، وكتابة أسماء الجند في الديوان، وإحداث عثمان لأذان آخر في الجمعة، وأمثال ذلك كثيرة جدًّا" (انتهى مِن مذكرة في أصول الفقه، ص 203) .

والمصلحة المرسلة: كذلك لا تكون في العبادات؛ إذ الأصل في العبادات أنها توقيفية، ولا في شيءٍ قَدَّرَه الشرعُ -بأن جعل له مقدارًا معلومًا- كنصيب الذكر والأنثى في الميراث؛ فاعتبارُ المصلحة ورَدُّ الكتاب والسُّنة من تحكيمِ الهوى، وهو مُنَازَعَةٌ لِحُكْمِ اللهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

2- أو أن يكون هذا النوع مِن المصلحة غير ملائم لتصرفات الشريعة ومقاصدها؛ فيُلْحَق بما شهد الشرعُ على إلغائه وبطلانه؛ لأنها تكون بذلك مصلحة مُتَوَهَّمَة مرجوحة.

مثال ذلك: ما يراه المالكية -على تفصيلٍ عندهم- مِن منع المريض مرض الموت مِن الزواج، وفسخ نكاحه -إن وقع-؛ لأنه بزواجه هذا يُدْخِل على الورثة وارثًا جديدًا، وفي هذا إضرار بهم، والقاعدة العامة تقول: "لا ضرر ولا ضرار"؛ فهذه مصلحة غير ملازمة لتفرعات الشريعة الحاضَّة على النكاح والمصححة له -إذا وقع بشروطه- والعمومات في مثل هذا مُقَدَّمَة على مثل هذه المصالح.

الصفحة السابقة