انتفاضة الأقصى عام 2000م (الانتفاضة الفلسطينية الثانية)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فلا تخلو حياة الفلسطينيين اليومية في الأراضي الفلسطينية المحتلة مِن المناوشات الفردية مع قوات الاحتلال الإسرائيلية، ولكن عندما تتخذ المواجهة مع قوات الاحتلال صورة جماعية مِن جمهور الفلسطينيين فهي انتفاضة شعبية في مواجهة الاحتلال، وانتفاضة الأقصى عام 2000م هي الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الثانية مِن بعد حرب يونيو 1967م، بعد الانتفاضة الأولى "انتفاضة الحجارة عام 1987م".
اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية -انتفاضة القدس أو انتفاضة الأقصى- في سبتمبر عام 2000م عقب الزيارة الاستفزازية التي قام بها وزير الدفاع الإسرائيلي (أريل شارون) -الإرهابي المتورط في عدة مجازر بحق الشعب الفلسطيني- للقدس في يوم الخميس الموافق "28-9-2000م"، حيث حاول شارون فيها دخول ساحة المسجد الأقصى ومعه 40 إسرائيليًّا في حراسة آلاف مِن قوات الاحتلال الإسرائيلية؛ مما دفع المتواجدين مِن المصلين الفلسطينيين في المسجد إلى التصدي له ومطاردته ومَن معه إلى خارج ساحة المسجد.
وفي اليوم التالي -"الجمعة 29-9-2000م"- ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية مجزرة جديدة في ساحة المسجد -هي الثالثة مِن نوعها- بإطلاق النار على المصلين قبْل التسليم مِن صلاة الجمعة؛ مما ترتب عليه خروج الفلسطينيين مِن المسجد الأقصى أولًا ثم إلى القدس، وكل الأراضي الفلسطينية بما فيها الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م.
وقد تميزت هذه الانتفاضة باستعمال الفلسطينيين للسلاح في عملياتٍ مسلحةٍ، وعمليات استشهادية كثيرة لإحداث أكبر قدر مِن الخسائر في جانب القوات الإسرائيلية.
مَن يكون "أريل شارون"؟:
وُلد (شارون) في فلسطين المحتلة في "27-2-1927م"، في قرية (كفر ملال) التي تبعد 15 ميلًا مِن شمال شرق تل أبيب، كان جده صهيونيًّا نشيطًا مِن يهود روسيا، شارك كعضوٍ في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل بسويسرا عام 1897م، ومنه تلقى والد "شارون" مبادئ الصهيونية، وتعلم منه اللغة العبرية والتوراة إلى جانب تعليمه التقليدي في روسيا، فعرف بفكره الصهيوني المتطرف.
- وفي فبراير 1922م انتقل والد "شارون" وزوجته إلى فلسطين بعد أسابيع قليلةٍ مِن زواجهما، حيث استقرا في قرية (كفر ملال) في أرضٍ زراعيةٍ تملكها الوكالة اليهودية.
- التحق "شارون" وهو شاب بالدراسة الثانوية في (تل أبيب)، ثم انضم خلال الحرب العالمية الثانية إلى عصابات (الهاجاناة) الصهيونية حيث تدرب على السلاح، وأظهر مهارة في القتال، وبعد صدور قرار تقسيم فلسطين مِن الأمم المتحدة في نوفمبر1947م تجمعت العصابات والوحدات العسكرية اليهودية مكونة (جيش الدفاع الإسرائيلي)، وشارك فيه "شارون" مقاتلًا متفرغًا.
- تزوج (شارون) في مارس 1952م مِن فتاة تقيم مع أسرتها -القادمة مِن رومانيا- في مزرعةٍ مجاورةٍ.
- تولى (شارون) في الجيش قيادة الفرقة (101) المتخصصة في مهاجمة الفلسطينيين، وشارك في حرب 1956م، وفي حرب 1973م، حيث قام بعملية ثغرة (الدفرسوار) الفاشلة في محاولة لتطويق تقدم الجيش المصري في سيناء.
- أحيل للتقاعد بعد هزيمة أكتوبر 1973م، فانتقل للعمل السياسي بالانضمام إلى حزب الليكود، ودخل في الكنيست الإسرائيلي عام 1973م، وعُيِّن عضوًا في لجنة الشئون الخارجية والأمن، ثم تولى رئاسة لجنة ميزانية الدفاع.
- عاد ليعمل قائدًا لقوات الاحتياط في الجيش عام 1974م بعد استقالته مِن الكنيست.
- قاد العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 1982م، ويعد المسئول عن المذبحة البشعة التي تعرَّض لها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمين: (صابرا وشاتيلا) بلبنان.
أسس (شارون) حزب (كاديما) الذي فاز في الانتخابات الإسرائيلية، فترأس (شارون) الوزارة الإسرائيلية في فبراير 2001م، وتعرض وهو ما زال في منصبه -رئيسًا للوزراء- لحالةٍ مَرَضِيَّةٍ مفاجئةٍ أدخلته في غيبوبةٍ عميقةٍ امتدت لسنواتٍ قبْل موته؛ فأنهت حياته السياسية وهو في أوج نشاطه، بل أنهت وجوده الفعلي قبْل موته، رغم بقائه حيًّا لسنواتٍ، لكنها حياة ميت بيْن الأحياء، ولعل في ذلك عبرة لمَن يعتبر!
مِن سجل الإرهابي "شارون" الإجرامي:
يدل تاريخ "شارون" العسكري على كونه مِن كبار مجرمي الحرب؛ لما ارتكبه مِن مجازر بشعة، مِن خلال عمله في عصابات (الهاجاناة) والجيش الإسرائيلي، منها: مذبحة (دير ياسين) في أواخر الأربعينيات، ومذبحة قرية (قبية) بالأردن عام 1954م، ومذبحة قرية (قوابية) عام 1955م، ونسف فندق (سميراميس) بالقدس عام 1956م، ومذبحة (كفر قاسم) عام 1956م أيضًا.
وهو الذي قام بقتل الأسرى المصريين في سيناء في حرب يونيو 1967م، جاء في صحيفة (هاعولام) الإسرائيلية في عددها بتاريخ: "24 أغسطس 1973م" ما نصه: "في حرب 1967م كان الجيش الذي هاجم سيناء تحت قيادة شارون، وهو المسئول شخصيًّا عن مصرع مئات مِن الجنود المصريين؛ إذ رفض اعتبارهم أسرى حرب خلال الأيام الأخيرة للحرب؛ لأن تعليمات (ديان) كانت تقضي بعدم الالتجاء إلى أسر الجنود المصريين في سيناء، وتأمر بإبادتهم".
و(شارون) هو المسئول عن مذبحة مخيمي: (صابرا وشاتيلا) في لبنان عام 1982م، هذا بالإضافة إلى مشاركته في اعتداءاتٍ متكررةٍ على الفلسطينيين قَتل فيها بنفسه الكثير منهم.
كُتب عنه "روجيه جارودي" في كتابه: (ملف إسرائيل) يقول: "هو جلاد لبنان، وله أيضًا ماضٍ عريق في التعذيب والاضطهاد؛ مما يفسَّر ويوضح مسلكه اليوم، وهو نفسه الذي عهد إله موشي ديان في أغسطس 1953م بمهمة إنشاء وقيادة الوحدة (101) التي كلفت بأعمال انتقامية ضد القرى العربية على الحدود بغية نشر الرعب بيْن الأهالي العرب ودفعهم إلى الفرار، وذلك وفقًا لأول ما تقتضي به الصهيونية السياسية".
بداية الانتفاضة:
في اليوم التالي "يوم الجمعة 30 سبتمبر2000م" لتصدي المصلين بالمسجد الأقصى لـ"شارون" ومَن معه في زيارته الاستفزازية لساحة المسجد في يوم الخميس "28-9-2000م" أطلق جنود الاحتلال النيران على رؤوس المصلين قبْل التسليم مِن صلاة الجمعة، وجرت بيْن المصلين وجنود الاحتلال مواجهات أسفرتْ عن استشهاد 7 فلسطينيين، وجرح 250 آخرين.