شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في النصيحة (10)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد

لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

أهمية مراجعة أهل العلم

والخبرة:

إن

تحقيق الموازنات تحتاج إلى مُمَارَسة طويلة المدى، وتحتاج إلى مُجالَسَة أهل العلم

ومراجعتهم في كل أمر مشكل؛ حتى نعلم كيف نقوم بالدعوة إلى الله على الوجه الصحيح.

الأمر

يحتاج إلى علمٍ وبصيرةٍ، ويحتاج إلى خبرةٍ وطريقةٍ صحيحةٍ، ولا يُمكِن ذلك إلا

بمراجعة أهل العلم، قال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ( فَاسْأَلُوا

أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) (النحل:43) ،

فعند وجود الجهل أو الشبهات، أو اجتماع المصالح والمفاسد، أو تعارض المصالح مع

بعضها وضرورة الاختيار بيْن أعظمها وأقَلِّها لتحصيل الأعظم ولو بفوات الأقل، وكذا

إذا تزاحمت المفاسد، ولابد مِن احتمال بعضها؛ فلابد مِن معرفة مقدار الأقل

لاحتمالِه دفعًا للأشد؛ قال الله -سبحانه وتعالى-: ( وَإِذَا

جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ

إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ

يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) (النساء:83) ، فدَلَّ ذلك

على أن أهل العلم هم المُقَدَّمون في ذلك؛ فالناس يُردون إلى أولي الأمر منهم،

ومنهم أمراء ونقباء وعرفاء أيام النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، واليوم

يوجد أناس مِن أهل القوة في الوظائف الإدارية، لكن خَصَّ -سبحانه وتعالى- الذين

يستنبطونه، قال: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ

مِنْهُمْ )، وما ذاك إلا لأن هذه المسائل -أمور الأمن والخوف- كلها مِن أمور

السياسة التي تشتبك فيها المصالح والمفاسد، وقد تتعارض الحسنات والسيئات؛ ولذلك

يكون هذا على أهل العلم مِن أشَقِّ الأمور.

كما

يحتاجون إلى المُشَاوَرَة، قال -تعالى-: ( وَأَمْرُهُمْ

شُورَى بَيْنَهُمْ ) (الشورى:38) ،

وكان النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- أكثر الناس مُشَاوَرَةً لأصحابه، مع

أنه مؤيَّدٌ بالوحي المعصوم عن الزلل، ومع ذلك يُعَلِّمُ أُمَّتَه كيف يتخذون

القرارات.

لهذا نَقول: لابد مِن الرجوع لأهل العلم، وتحقيق

النظر في الواقع بالمُشَاوَرَة فيما بينهم وبيْن بعضهم البعض، وذلك أنه لا يتحقق

اتخاذ القرار الصحيح إلا بأن يكون هناك علم وبصيرة، وأن يكون هناك دراسة للواقع

وموازين القوى، وأن يكون هناك تشاور بيْن أهل العلم.

وأعجب ما رأينا وسمعنا أن نسمع مَن يقول: "إن

المشايخ والعلماء على رؤوسنا، وأننا نعرف قَدْرَهم، لكن في أمور الأمن والخوف

-أعني السياسة- فإننا أعلم منهم بذلك!"؛ أَفِي مسائل العقيدة والعبادة

والمعاملة والحلال والحرام والأخلاق، وسائر الأمور تعرفون قَدْرَ العلماء ثم إذا

جاءت المسائل الأصعب والأشد احتياجًا للاجتهاد والتشاور وهي خَفِيَّة -أشد خفاءً مِن

أمور الاختلاف في الأمور المجردة التي ذكرنا- فعند ذلك تتركون رأيهم وتكونون أنتم

أعلم منهم بذلك؟! وتتبعون في الحقيقة دعايات أهل البدع والضلال -التي هي في حقيقة

الأمر دعايات الأعداء الذين سَخَّرُوا أهل البدع والضلال لكي يُمَزِّقُوا الأمة-

فتجدهم يكون عندهم مِن المرونة المزعومة في العقائد حتى إنهم ينطقون بالكفر

أحيانًا ويُحِلُّون ما حرَّم الله -سبحانه وتعالى- أو يُحَرِّمون ما أحَلَّ اللهُ،

ويَستَدِلُّون بالآيات والأحاديث في غير موضعها قطعًا وبالإجماع! كمَن يحتج على

الحريات التي يطلبها الغرب في الشذوذ الجنسي وانتشار الفواحش، والحرية في

المُعاشَرَة الجنسية، وكذلك في حماية حقوق المُلْحِدين -كما يسمونهم!- فيقول: ( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ )! ومعلومٌ أن تكملة الآية: ( قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) (البقرة:256) ،

وكذلك قوله -تعالى-: ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ

فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا

لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا

يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ

مُرْتَفَقًا ) (الكهف:29) ؛

شتان بيْن دلالة هذه الآية على مسئولية الإنسان وعقوبة مَن ظَلَم وكَفَر وبيْن

الحرية الغربية التي تُصَوِّبُ المللَ كُلَّها وتبيح هدم الأخلاق وتدمير قِيَم

الأمم -خاصةً قِيَم الأُمَّة الإسلامية- لفَرْضِ باطِلِهم وضلالِهم وانحرافِهم.

نعجب ممَن يتابع إعلام هؤلاء بالليل والنهار، ويَقْبَل كل ما يقولون،

ويَجِدُ في نفسه حَرَجًا مما يقوله أهل العلم! ويزعم أنهم لا يفهمون في السياسة،

مع أن الله -تعالى- خَصَّهُم -مِن دون أُولي الأمر- بالفهم والعلم،

فقال: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ )؛

لذلك نَقُول: أهلُ العلم هم المُقَدَّمُون في باب المصالح والمفاسد.

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رَحِمَهُ اللهُ- في تفسير قوله -تعالى-:

( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ

أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ

لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ): "هذا تأديبٌ مِن

الله -تعالى- لِعِبادِه عن فِعْلِهِم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم

أمرٌ مِن الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو

بالخوف الذي فيه مصيبة: عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل

يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل

والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها؛ فإن رأوا في إذاعته مصلحةً

ونشاطًا للمؤمنين وسرورًا لهم وتحرُّزًا مِن أعدائهم فَعَلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس

فيه مصلحة أو فيه مصلحة، ولكن مضرته تزيد على مصلحته لم يذيعوه، ولهذا قالَ: ( لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ) أي:

يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.

وفي

هذا دليل لقاعدةٍ أدبية، وهي أنه إذا حصل بحث في أمرٍ مِن الأمور ينبغي أن

الصفحة التالية