شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تأملات في النصيحة (10)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

يُوَلَّى مَنْ هو أهلٌ لذلك، ويُجعل إلى أهله، ولا يُتَقَدَّم بيْن أيديهم، فإنه

أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة مِن الخطأ.

وفيه

النهي عن العَجَلَةِ والتَّسَرُّع لنشر الأمور مِن حين سماعِها، والأمر بالتأمل قبْل

الكلام والنظر فيه: هل هو مصلحةٌ فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيُحْجِم عنه؟"

(انتهى مِن تفسير

السعدي، ص190) .

ولهذا قال أبو مسلم الخولاني -رَحِمَهُ اللهُ-:

"العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء؛ إذا بَدَت للناس اهتَدوا بها، وإذا

خَفِيَت عليهم تَحَيَّروا".

وقال الحسن البصري -رحمه الله-: "مَثَل

العلماء مثل الماء؛ حيثما سَقَطُوا نَفَعُوا".

فاحْذَر

مِن أهل البدع والضلال الذين يُحَذِّرُونَكَ مِن اتِّباع أهل العلم، ويزعمون أنهم

أعلم منهم بأمور السياسة وأنهم رجال المرحلة "ولذلك لابد لأهل العلم أن

يطيعوهم على خَلَلِهم! مع ظهور آثار هذا الخَلَل لكل عاقلٍ -لا أقول لكل عالمٍ-!"،

خصوصًا إذا ظهرتْ أمارات التكفير والتخريب والتدمير للمجتمعات، وظهر ذلك جَلِيًّا

في تدميرهم لأنفسهم ومَن تَبِعهم، خصوصًا أنهم لا يعبَأون إلا بمصلحة طائفتهم

المحدودة التي ليستْ مِن مصلحة الأمة في غالِب الأوقات؛ فلابد أن ننتبه إلى هذا الخطر

الذي يردده البعض وهو لا يعي -مِن أن أهل العلم لا يُستشَارون في هذه الأمور-؛ كيف

وهم قد بذلوا كل ما في وسعهم في دراسة الواقع، بعد عِلمهم بالشريعة وموازينها وكيف

تُتَّخَذ المواقف مِن سيرة الأنبياء وسنة النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-،

ثم تشاوروا مع بعضهم وتشاوروا مع عامة أهل الرأي مِن إخوانهم، ثم كانت مواقفهم

-بفضل الله- عبْر سنوات تُثْبِت توفيقًا مِن الله -سبحانه وتعالى- ورشادًا

لِأُمَّتِهم وجماعتِهم، ودعوتِهم ومنهجِهم المبارك.

أَيُريد

بعض الأغرار والشباب أن يُقَدِّموا أنفسَهم في ذلك ولم يُحَصِّلُوا شيئًا مِن

العلم بالشريعة -فضلًا عن مقاصِدِها- والاجتهاد في ترتيب أولوياتها وأمور المصالح

والمفاسد فيها -التي هي أصعب أمور الاجتهاد-؟! فلابد أن يُرجَع إلى أهل العلم دون

غيرهم مِن أهل الجهل والثورة والفورة التي لا تُراعي فتنةً، ولا تدفع فوضى

ومَضَرَّةً وسوءًا عن المسلمين!

خاتمة:

تبقى

أمور مهمة لابد أن يستحضرها الناصح في قيامه بمهمة النصح، نختم بها مقالاتنا -نسأل

الله أن ينفع بها في الدنيا والآخرة-.

أولًا: أهمية الإخلاص في القيام بهذا الواجب، حتى يُسقِط الناصِحُ الخَلْقَ

في عمله مِن حسابِه، فهو لا يريد إلا وجه الله: ( وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى . إِلَّا

ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى . وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) (الليل:19-21) ،

فلا يَفرح بمَدْحِ مادِحٍ، ولا يهرب ويخاف مِن ذَمِّ ذَامٍّ ممَن يخالفه، وكثيرٌ مِن

الناصحين قد تجده يَفرح إذا مَدَحَه مَن مَدْحُه شَيْنٌ مِن المُخَالِفِين

للدِّين؛ فلابد أن يحذر على نفسه مِن ذلك.

ومِن الناس والدُّعَاةِ مَن يَضيق بِذَمِّ الذَّامِّين مِمَّن ذَمُّهم

زَيْنٌ؛ لكنه فرارًا مِن ذلك يترك ما أُمِر به مِن النصيحة والدعوة إلى الله؛

فَأَنَّى تكونُ له السلامةُ مِن الذَّمِّ وقد حصل للأنبياءِ، بل السب والشتم، بل

الضرب والقتل، قال -تعالى-: ( أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ

اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } (البقرة:87) ،

وقد وَقَعَ ذلك مِن الكُفَّار والمُجْرِمين.

أما مَن يَخْدَعُه خَادِعٌ بأن ذلك لرعاية هَيْبَة الداعي ومصلحة الدعوة

فلا يريد أن يتعرض لذلك حتى لا يُذَمَّ ولا يُشْتَم؛ فيترك الناس يهلكون ويُقتلون

ويُحبسون، ولا يَنصحهم بما يَحفظ دينَهم ودعوتَهم ودُنياهم، ويزعم أنه يُبْقِي على

هيبةِ نَفْسِه فهو المخالف لِسُنَّةِ الأنبياء والمرسلين!

وهل

تبقى الدعوة أصلًا حتى تبقى هيبةُ الذي يزعم أنه يحافظ عليها إذا لم يَنصَح

لِأُمَّتِه ومُجتمعه؟!

ولماذا

إذًا قال لقمان لابنه: ( يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ

وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ

إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) (لقمان:17) ؟!

فما العزيمة في ترك النصيحة التي يعلم الإنسان أنها حق ونصح صادق للأمة

والدعوة وطوائف المسلمين إذا شُتِمْتَ، والقيام بها حين تُبَجَّل وتُقَدَّم

وتُعَظَّم؟! ومِن أين أُخِذ هذا مِن سيرة الأنبياء والعلماء المليئة بصور الصبر

على الأذى وأنواع التُّهَم خاصة إذا كانت مِن أهل الكفر أو أهل البدع؟! فما زال

المسلمون على الدوام يتحملون تُهَمَ أعداء أُمَّتِهم بالتخلف والرجعية!

بل

الأنبياءُ -إلى يومنا هذا- وخاتَمُهم محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-

يتعرضون للسخرية والاستهزاء، وأبو بكر وعمر وعثمان -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- إلى

الآن يُسَبُّون مِن الرافضة، وَعَلِيٌّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ما زال يُكَفَّر إلى

الآن مِن الخوارج، والصحابةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- لا يزالون يُسَبُّون إلى الآن

مِن الشيعة والمستشرقين والتغريبيين؛ فمِن علامة الخير أنك تُتَّهَم مِن أهل الزيغ

والضلال والبدع؛ فلتفرح بهدايا الحسنات وتكفير السيئات.

أيها

الداعي المظلوم الذي يَتَّهِمُكَ أهلُ الضلال بأنك الظالم المنافق المرتد: لا

تَعْبأ بِهِم، وسِرْ في طريقك.

وأقول لإخواني: إذا كنتم عَمِلْتُم لله مِن أجل أن

تحفظوا دعوةَ الحق، وتحفظوا دماءَ المسلمين فلا تُراق في فوضى عمياء، وأعراضَ

المسلمين والمسلمات فلا تُنْتَهَك في فتنةٍ دهماء، وبلادَكم "التي هي بلاد

المسلمين، بل هي محور الارتكاز فيها في زماننا، ولو سَقَطَت ضاعتْ بلاد المسلمين

-نسأل الله أن يعافي المسلمين مِن ذلك-"، إذا كنتم حافظتم على بلادِكم أن

تُخَرَّب وتُدَمَّر باسم الدين، وتُشَوَّه صورة الدين في العالَم وصورة الالتزام

عند المسلمين؛ فلا تَخْشَوا ذَمَّ الشائنين الذين سَخَّرَهُم الأعداءُ لتدمير

دِينِهم باسم الدِّين -شعروا أم لم يشعروا-.

وأيضًا: إياكم أن تَفرحوا بمدح الذين

الصفحة السابقة الصفحة التالية