تأملات في النصيحة (10)
الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين
ذَمُّوكُم بالأمس ولم يَعرفوا حُرْمَتَكم ولا حَقَّكم؛ فإنهم إن خالفتموهم غدًا
سَبُّوكُم أعظمَ السَّبِّ، وإن بَقِيتُم لا تُوافِقُوهم على باطِلِهم انطلقتْ
ألسنتُهم وأيديهم بالسُّوء؛ فاجْعَلُوا عَمَلَكم كُلَّه ابتغاء وجه الله، لا
تَنتظِروا جزاءً مِن أحدٍ، ولا تَفرحوا بِشُكْرِ أحدٍ، ( لَا
نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ) (الإنسان:9) ، ولا
تَتَوَكَّلُوا إلا على الله الذي يُدافِع عن الذين آمَنوا ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ) (الحج:38) ؛
فلستم بحاجةٍ إلى غَيرِه، وإنما أَخَذْتُم بالأسباب ولم تُضَيِّعوها امتثالًا لأمر
رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( احْرِصْ
عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَز ) (رواه مسلم) .
أما
القلب فلا بد أن لا يتعلق إلا بالله وحده، النافع الضار، المُعطي المانِع،
المُعِزّ المُذِلّ، مالك الملك يُؤتِي المُلكَ مَن يشاء ويَنزِع الملكَ ممَن يشاء،
ويُعِزّ مَن يشاء ويُذِلّ مَن يشاء، بِيَدِه الخيرُ وهو على كل شيءٍ قَدِير.
ثانيًا: لِيَكُن الصِّدق في النُّصح والرغبة في هداية الخلق وحِفْظ
مصالِحِهم هي السِّمَةُ اللَّازِمَةُ لَكُم، كما لَزِمَت مؤمن آل ياسين، فنَصَحَ
قومَه في الدنيا، ولما قتلوه ظل النُّصح لهم غَالِبًا عليه، حتى قال -تعالى- عنه: ( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ . قِيلَ ادْخُلِ
الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي
وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) (يس:25-27) .
فلابد
أن نَعْزِلَ الناسَ -ذامّهم ومادِحهم- فيما بيننا وبيْن الله وهذا هو الإخلاص،
ولابد أن نعزل أنفسنا فيما بيننا وبيْن الناس؛ فلا نسعى للانتقام لأنفسنا ممَن
آذانا، أو نريد دمار مَن خَالَفَنا؛ بل نظل على الدوام نردد ونستحضر قولَ النبي
-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهو يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
ضَرَبَهُ قَوْمُهُ حتى أَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ،
وَيَقُولُ: ( اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ
لَا يَعْلَمُونَ ) (متفق
عليه) ، وقولَه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما عَرَضَ
عليه مَلَكُ الجِبَالِ أن يُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ: ( بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ
يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) (رواه البخاري ومسلم) ،
وحالَ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي قالتْ عنه عائشةُ -رَضِيَ
اللهُ عَنْهَا-: "وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ
لِلَّهِ بِهَا" (متفق
عليه) ، وصَبْرَ الأنبياء ونصيحَتَهم للناس وإن كانوا لا
يُحِبُّونَ الناصحينَ!
ثالثًا: لابد أن تُوَطِّنُوا أنفسَكم على الاستمرار في النصح لمجتمعِكم
وبلادِكم -التي هي بلاد المسلمين- وأُمَّتِكم ودعوتِكم المُبارَكة -دعوة أهل
السُنَّة والجماعة- في أي الظروف، رَضِيَ الناسُ عَنَّا أم سَخِطوا، أكرمونا أم
آذونا، واستحضِروا قول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ: رَضِيَ
الِلَّهِ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ
بِسَخَطِ اللَّهِ: سَخَطَ الِلَّهِ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ )
(أخرجه ابن حبان في
صحيحه، وصححه الألباني) .
نسأل
اللهَ أن يُصلِح بلادَ المسلمين في كل مكان، وأن يَدفع عنهم الأذى والسوءَ في كل
مكان، وأن يَرُدّ عنهم كيدَ عَدُوِّهم.
اللهم
مُنزِل الكتاب ومُجْرِي السحاب وهَازِم الأحزاب سريع الحساب، اهزِم أعداءَ
المسلمين وزَلْزِلْهم وانْصُرْنا عليهم، اللهم أنت مولانا لا مولى لنا سواك، وإنا
مغلوبون؛ فانْتَصِرْ لِدِينِك وكتابِك، وسُنَّةِ نبيِّك -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ-، وعبادِك المؤمنين.
انتهت مقالات: "تأملات في النصيحة" -بحَمْد اللهِ وتوفيقِه-، فما كان فيها مِن صوابٍ فمِنَ اللهِ، وهو الذي مَنَّ بِهِ وَتَفَضَّلَ؛ فله الحمد، وما كان فيها مِن خطأٍ وزَلَلٍ فمِنِّي ومِن الشيطان؛ واللهُ ورسولُه منه بَريئان، وأنا راجعٌ عنه -إذا عَلِمْتُه- في الدنيا والآخرة.