هل لابُدَّ لتحقيق المُعَايَشَة أن نُكَذِّبَ القرآن؟!
الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمِن أكبر المشكلات التي تواجِه المجتمعات منذ قديم الزمان: اختلافُ الْمِلَل والديانات داخل المجتمع الواحد الذي يحتاج إلى التعايش بيْن طوائفه رغم اختلافهم في أديانهم، وقد وَاجَهَ المسلمون هذه الإشكالية في مَكَّة قبْل الهجرة، وفي الحبشة حيث هاجروا إليها فرارًا بدينهم مِن طغيان المشركين مِن قريش وتعذيبهم وقتلهم المسلمين، ثم في المدينة بعد الهجرة؛ إذ وُجِد في المجتمع المسلم والدولة المسلمة المشركون واليهود، بطوائفهم إلى جانب المسلمين.
وقد تعامل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مع هذه الإشكالية بطريقة غاية في الوضوح، في جميع الأوقات والأحوال والمجتمعات، وهي الحفاظ التام على هوية المسلمين وعقيدتهم ودينهم المبني على الوحي المنزل -كتابًا وسُنَّةً-، والذي كان ينزل بالأدلة القاطعة الواضحة التي تتناول قضايا الاعتقاد والمنهج والعبادة والسلوك والأخلاق، والتي تخالف قطعًا ما عليه المشركون وعباد الأوثان، والذين كفروا مِن أهل الكتاب مِن اليهود في المدينة ثم مِن النصارى في جنوب الجزيرة العربية في نجران بعد ذلك، وفي نفس الوقت أرسى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قيمة التعايش مع أهل هذه الملل في المراحل المختلفة بأنواعٍ متعددةٍ واسعةٍ مِن العهود والمواثيق التي تسمح بالتعايش داخل المجتمع الواحد، أولها كان وثيقة المدينة التي كانت تُمَثِّل العهد المطلق، ثم صلح الحديبية الذي يمثِّل الهُدْنة المُؤَقَّتَة، ثم عقد الذمة المُؤَبَّد الذي عقده مع مَجُوسِ هَجَر ونَصارى نَجْران.
وكان النوع الأول الذي عقده النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هو أكثر العهود استعمالًا في العهد النبوي، كما قرر ذلك ابن القيم -رَحِمَهُ اللهُ- في "حقوق أهل الذمة"، وكان الأخير -أعني عَقْدَ الذمة- أكثر العقود استعمالًا بعده -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خصوصًا في عهود الفتوحات الإسلامية وتأسيس الدولة مترامية الأطراف، ولم يَخْلُ ذلك مِن انتقالٍ مستمرٍ بيْن جميع الطوائف داخل البلاد المختلفة مِن خلال سلسلةٍ مِن عقود الأمان.
ولم يحدث قَطّ -عبْر الزمان- ما يحاوله البعض في زماننا، لكي يعالج -بزعمه!- ضيقَ أُفُقِ طائفةٍ منحرفةٍ كَفَّرَت المسلمين وانتهكت حقوق المعاهدين وقتلت مِن هؤلاء وهؤلاء؛ ما أفسد على المجتمع مَصَالِحَه - لم يحدث قَطّ أن كان العلاج هو محاولة الوصول إلى تَوافُقٍ عَقَدِيٍّ أو ديني بادعاء وحدة الأديان أو إلغاء مصطلحات: "الكافر، والكفر، والنفاق، والردة" ونحوها!
ونصوص القرآن قاطِعَة لا تحتمل التأويل في كُفْرِ مَن خَالَف دين الإسلام: قال الله -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (آل عمران:85) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) (آل عمران:19) ، وقال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) (رواه مسلم) ، ولا يَحتمل أبدًا أن يُحْمَل هذا على المعنى العام للإسلام الذي هو دين الأنبياء جميعًا، بل لابد أن يُحمل على الاسم العَلَم لهذا الدين وهذه الشريعة التي بُعِثَ بها محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بلا نزاعٍ بين العلماء، حتى لو حُمِل على المعنى العام فأساس الأديان كلهم توحيد الله واتباع وتصديق الرسل؛ فمَن أشرك بالله وعَبَد غيرَه أو قال عن مخلوق إنه هو الله! فلا نزاع أنه كافرٌ بجميع الأنبياء، وكذا مَن كذب بِنَبِيٍّ مِن الأنبياء فقد كذب جميعَ الأنبياء والرسل، فكيف بمَن كذب خاتمهم محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! مَن كذبه فقد كذب الله، قال -تعالى-: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) (الفتح:29) ، ومَن كذب الله لا يكون مؤمنًا به عند أحد الرسل والأنبياء، بل والعقلاء! قال -تعالى-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ )، في موضعين مِن القرآن: (المائدة:17)، (المائدة:72).
ومستحيلٌ أن يُسَلَّطَ على هذه القواطع سيف التأويل، كمَن يقول: "نقتصر على اللفظ فقط؛ فمَن قال: إن المسيح ابن مريم هو الله ليس كمَن قال إن الله هو المسيح ابن مريم!"؛ مما يرفضه أي صبي مُمَيِّزٍ، فضلًا عن عاقلٍ، فضلًا عن عالمٍ منتسب للدين، ويصعب جدًّا -بل يستحيل- الدفاع عن إيمان قائل هذا، بل عن إسلامه، فهذا تحريفٌ أشنع مِن تحريف اليهود الذين أنزل الله فيهم: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ) (المائدة:41) ؛ لإنكارهم حدَّ الرجم في التوراة مع إبقائهم الآية للهروب مِن تطبيقها، فَهُم -كما ثبت في الحديث المتفق عليه-، يضعون أيديهم على الآية يقرؤون ما قبلها وما بعدها، حتى قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ -عالم اليهود-: "ارْفَعْ يَدَكَ؛ فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوح؛ فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، إن فِيهَا الرَّجْمِ!"، فأقروا بها رغم أنهم لا يُطَبِّقُونَها، بل ويقولون إنها ليستْ موجودة!
أما هذه السماجات فغير مُحتملة؛ إلا أنها تصب في المخطط العالمي للمناداة بمساواة جميع الأديان "حتى الإلحاد!"؛ فلا يحكمون على القائل بإنكار وجود الله، وإنكار الآخرة والجنة والنار أنه كافر أو مِن أهل النار -نوعًا أو عينًا-، ويسخرون ممَن يبيِّن آيات القرآن، بل والتوراة والإنجيل في ذلك.