شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل لابُدَّ لتحقيق المُعَايَشَة أن نُكَذِّبَ القرآن؟!

الشيخ ياسر برهامي • قضايا معاصرة

هذه الطريقة قد تدعمها سياسات دول كبرى، وقد يقبلها أو يُقِرُّها سَاسَةٌ لا يُقَدِّرون المسألة حق قدرها؛ فلابد أن يتكلم العلماء غير هيابين ولا مترددين، فإن المسألة انسلاخ مِن دين الأنبياء جميعًا "ومن دين الإسلام خصوصًا"؛ لا يمكن لمسلمٍ يُصَدِّق بقول الله -تعالى- عن المسيح -عليه السلام-: ( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ) (النساء:157) ، أن يتوافق مع مَن عقيدته أنه لا خلاص للعالم وللنوع الإنساني عمومًا إلا مِن خلال تقبل المسيح مصلوبًا مخلصًا!

ثم إن الأمر يتعدى هذه المُخَاطَرَة على الدين لتضييع العقيدة بالكلية، ويتجاوز الخطوط الحمراء إلى أن يحصل منه خطر على الأمن القومي للدول والمجتمعات؛ فهي بالفعل تفتح الأبواب أمام الجماعات المنحرفة لتحكم على الدولة كلها بالكفر، وعلى المؤسسات الدينية الرسمية بذلك، لأنهم لا يفهمون ولا يعرفون معنى قوله -تعالى-: ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (الأنعام:164) ؛ فطالما عُرِض في وسائل الإعلام ومِن رجالٍ ينتسبون للمؤسسة الدينية الرسمية فالدولة تقول ذلك! وهم -بالتعميم- يقولون الكفر! والمؤسسات كلها تقول الكفر! ويتسلسل هذا الضلال إلى نسج خيالٍ مِن مؤامراتٍ مزعومة يرأسها الساسة والقادة أبناء اليهود لهدم الدين؛ فإذا قيل لهم لا تعمموا؛ قالوا: ألم يقل فلان كذا وكذا؟! أوليس هذا تكذيبًا للقرآن وتحريفًا له؟! مع أن الحقَّ الذي لا إشكال فيه أنه لا يلزم تكفير الناس بقولٍ قاله واحد منهم، لا يلزم غيره إذا لم يُقِرُّوا ويُوافِقوا ويَرضوا.

إن هذا الباب "باب التعايش" علاجه -في غاية السهولة- بغير هذا الأسلوب الفج؛ لابد مِن تعميق علم العهود والمواثيق كما ورد في وثيقة المدينة بيْن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- واليهود: "وإن اليهود يُنفقون مع المؤمنين ما داموا مُحاربين، وأن يهود بني عوف أُمَّة مع المؤمنين؛ لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، قال -تعالى-: ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ . لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ . وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ . لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (الكافرون) .

فتدريس السيرة والسُّنة النبوية، والتفسير السلفي الصحيح لآيات القرآن، وسعة الأفق والفهم، والرَّحَابة التي يتميز بها هذا الدين في أنواع المعاملات مع الكفار دون الجهل والتطرف والغُلُوِّ -الذي يقوله البعض- هو الذي يحل هذه الإشكالية ويحقق للمجتمعات أمنها، ويحفظ عليها سلامتها واستقرارها، وبقاء كل طائفة -وإن اختلفوا في الدين- آمنة على دينها، ونفسها، وأعراضها، وأموالها في ضوء العهود الشرعية.

وأخيرًا: "لا تلعبوا بالنار... !"، واعلموا أن الشرع يحقق ما يحتاج إليه العباد دون أن نُرَدِّدَ الباطلَ أو أن نُحَرِّفَ النصوصَ أو أن نُكَذِّبَ القرآن!

الصفحة السابقة