شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

الإسراء والمعراج بيْن الاتباع والابتداع!

عصام حسنين • بدع ومحدثات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالإسراء والمعراج آية مِن آيات الله -تعالى-، لازمها التشريف والتكريم لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- والتسلية له، وانتقال له مِن حالٍ إيماني هو حق اليقين إلى أكمله وأعلاه، وهو "عين اليقين"؛ كل ذلك لازم قوله -تعالى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) (الإسراء:1) ، وقوله: ( لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ) (النجم:18) .

وهو استدعاء رباني للتكليف بأعظم ركن مِن أركان الإسلام بعد الشهادتين "وهو الصلوات الخمس" الذي شرَّف الله -تعالى- به هذه الأمة إذ لم تصلِّ أمة قبلنا هذه الخمس، ودليل ذلك قول موسى -عليه السلام- لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- لما فرض الله عليه خمس صلوات: ( إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ) (متفق عليه) . وهذا مما يجب الإيمان به.

هذا وقد لخَّص الحافظ ابن كثير -رحمه الله- هذه الرحلة المباركة مِن مجموع الروايات الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم- تلخيصًا طيبًا، هو المعتمد فيها -إن شاء الله-.

قال -رحمه الله-: "فَصْل: وَإِذَا حَصَلَ الْوُقُوف عَلَى مَجْمُوع هَذِهِ الْأَحَادِيث صَحِيحهَا وَحَسَنهَا وَضَعِيفهَا، فَحَصَلَ مَضْمُون مَا اِتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَسْرَى رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَكَّة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَأَنَّهُ مَرَّة وَاحِدَة. وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ عِبَارَات الرُّوَاة فِي أَدَائِهِ أَوْ زَادَ بَعْضهمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، فَإِنَّ الْخَطَأ جَائِز عَلَى مَنْ عَدَا الْأَنْبِيَاء -عَلَيْهِمْ السَّلَام-، وَمَنْ جَعَلَ مِنْ النَّاس كُلّ رِوَايَة خَالَفَتْ الْأُخْرَى مَرَّة عَلَى حِدَة فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَات مُتَعَدِّدَة فَقَدْ أَبْعَدَ وَأَغْرَبَ وَهَرَبَ إِلَى غَيْر مَهْرَب، وَلَمْ يَتَحَصَّل عَلَى مَطْلَب. وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَام- أُسْرِيَ بِهِ مَرَّة مِنْ مَكَّة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس فَقَطْ، وَمَرَّة مِنْ مَكَّة إِلَى السَّمَاء فَقَطْ، وَمَرَّة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَمِنْهُ إِلَى السَّمَاء، وَفَرِحَ بِهَذَا الْمَسْلَك وَأَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُص بِهِ مِنْ الْإِشْكَالَات، وَهَذَا بَعِيد جِدًّا، وَلَمْ يُنْقَل هَذَا عَنْ أَحَد مِنْ السَّلَف وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّد لَأَخْبَرَ النَّبِيّ -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِهِ أُمَّته وَلَنَقَلَهُ النَّاس عَلَى التَّعَدُّد وَالتَّكَرُّر. قَالَ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ الزُّهْرِيّ: كَانَ الْإِسْرَاء قَبْل الْهِجْرَة بِسَنَةٍ، وَكَذَا قَالَ عُرْوَة، وَقَالَ السُّدِّيّ: بِسِتَّة عَشَر شَهْرًا، وَالْحَقّ أَنَّهُ -عَلَيْهِ السَّلَام- أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَة لَا مَنَامًا مِنْ مَكَّة إِلَى بَيْت الْمَقْدِس رَاكِبًا الْبُرَاق.

فَلَمَّا اِنْتَهَى إِلَى بَاب الْمَسْجِد رَبَطَ الدَّابَّة عِنْد الْبَاب وَدَخَلَهُ فَصَلَّى فِي قِبْلَته تَحِيَّة الْمَسْجِد رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ وَهُوَ كَالسُّلَّمِ ذُو دَرَج يُرْقَى فِيهَا فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَى بَقِيَّة السَّمَاوَات السَّبْع فَتَلَقَّاهُ مِنْ كُلّ سَمَاء مُقَرَّبُوهَا، وَسَلَّمَ عَلَى الْأَنْبِيَاء الَّذِينَ فِي السَّمَاوَات بِحَسَبِ مَنَازِلهمْ وَدَرَجَاتهمْ حَتَّى مَرَّ بِمُوسَى الْكَلِيم فِي السَّادِسَة، وَإِبْرَاهِيم الْخَلِيل فِي السَّابِعَة، ثُمَّ جَاوَزَ مَنْزِلَتَيْهِمَا -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِمَا وَعَلَى سَائِر الْأَنْبِيَاء- حَتَّى اِنْتَهَى إِلَى مُسْتَوًى يَسْمَع فِيهِ صَرِيف الْأَقْلَام أَيْ أَقْلَام الْقَدَر بِمَا هُوَ كَائِن، وَرَأَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى وَغَشِيَهَا مِنْ أَمْر اللَّه -تَعَالَى- عَظَمَة عَظِيمَة مِنْ فَرَاش مِنْ ذَهَب وَأَلْوَان مُتَعَدِّدَة، وَغَشِيَتْهَا الْمَلَائِكَة، وَرَأَى هُنَاكَ جِبْرِيل عَلَى صُورَته وَلَهُ سِتّمِائَةِ جَنَاح، وَرَأَى رَفْرَفًا أَخْضَر قَدْ سَدَّ الْأُفُق.

وَرَأَى الْبَيْت الْمَعْمُور وَإِبْرَاهِيم الْخَلِيل بَانِي الْكَعْبَة الْأَرْضِيَّة مُسْنِد ظَهْره إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ الْكَعْبَة السَّمَاوِيَّة يَدْخُلهُ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَة يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.

الصفحة التالية