الإسراء والمعراج بيْن الاتباع والابتداع!
عصام حسنين • بدع ومحدثات
وَرَأَى الْجَنَّة وَالنَّار، وَفَرَضَ اللَّه عَلَيْهِ هُنَالِكَ الصَّلَوَات خَمْسِينَ ثُمَّ خَفَّفَهَا إِلَى خَمْس رَحْمَة مِنْهُ وَلُطْفًا بِعِبَادِهِ، وَفِي هَذَا اِعْتِنَاء عَظِيم بِشَرَفِ الصَّلَاة وَعَظَمَتهَا، ثُمَّ هَبَطَ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس وَهَبَطَ مَعَهُ الْأَنْبِيَاء فَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ لَمَّا حَانَتْ الصَّلَاة، وَيَحْتَمِل أَنَّهَا الصُّبْح مِنْ يَوْمئِذٍ، وَمِنْ النَّاس مَنْ يَزْعُم أَنَّهُ أَمَّهُمْ فِي السَّمَاء وَاَلَّذِي تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَات أَنَّهُ بِبَيْتِ الْمَقْدِس، وَلَكِنْ فِي بَعْضهَا أَنَّهُ كَانَ أَوَّل دُخُوله إِلَيْهِ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ بَعْد رُجُوعه إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَرَّ بِهِمْ فِي مَنَازِلهمْ جَعَلَ يَسْأَل عَنْهُمْ جِبْرِيل وَاحِدًا وَاحِدًا وَهُوَ يُخْبِرهُ بِهِمْ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِق؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا مَطْلُوبًا إِلَى الْجَنَاب الْعُلْوِيّ لِيُفْرَض عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّته مَا يَشَاء اللَّه -تَعَالَى-، ثُمَّ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ اِجْتَمَعَ بِهِ هُوَ وَإِخْوَانه مِنْ النَّبِيِّينَ، ثُمَّ أَظْهَرَ شَرَفه وَفَضْله عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَة، وَذَلِكَ عَنْ إِشَارَة جِبْرِيل -عَلَيْهِ السَّلَام- لَهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس فَرَكِبَ الْبُرَاق وَعَادَ إِلَى مَكَّة بِغَلَسٍ وَاَللَّه -سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم-.
وَأَمَّا عَرْض الْآنِيَة عَلَيْهِ مِنْ اللَّبَن وَالْعَسَل أَوْ اللَّبَن وَالْخَمْر أَوْ اللَّبَن وَالْمَاء أَوْ الْجَمِيع؛ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ فِي بَيْت الْمَقْدِس، وَجَاءَ أَنَّهُ فِي السَّمَاء، وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون هَاهُنَا وَهَاهُنَا لِأَنَّهُ كَالضِّيَافَةِ لِلْقَادِمِ -وَاَللَّه أَعْلَم-.
ثُمَّ اِخْتَلَفَ النَّاس: هَلْ كَانَ الْإِسْرَاء بِبَدَنِهِ -عَلَيْهِ السَّلَام- وَرُوحه أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ أُسْرِيَ بِبَدَنِهِ وَرُوحه يَقَظَة لَا مَنَامًا، وَلَا يُنْكِرُونَ أَنْ يَكُون رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَأَى قَبْل ذَلِكَ مَنَامًا ثُمَّ رَآهُ بَعْده يَقَظَة؛ لِأَنَّهُ كَانَ -عَلَيْهِ السَّلَام- لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح، وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا قَوْله -تَعَالَى-: ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ )، فَالتَّسْبِيح إِنَّمَا يَكُون عِنْد الْأُمُور الْعِظَام، فَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِير شَيْء، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَمًا، وَلَمَا بَادَرَتْ كُفَّار قُرَيْش إِلَى تَكْذِيبه وَلَمَا اِرْتَدَّتْ جَمَاعَة مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَأَيْضًا: فَإِنَّ الْعَبْد عِبَارَة عَنْ مَجْمُوع الرُّوح وَالْجَسَد، وَقَدْ قَالَ: ( أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا )، وقَالَ -تَعَالَى-: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إِلَّا فِتْنَة لِلنَّاسِ ) (الإسراء:60) ، قَالَ اِبْن عَبَّاس: "هِيَ رُؤْيَا عَيْن أُرِيَهَا رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ وَالشَّجَرَة الْمَلْعُونَة هِيَ شَجَرَة الزَّقُّوم" (رَوَاهُ الْبُخَارِيّ) ، وَقَالَ -تَعَالَى-: ( مَا زَاغَ الْبَصَر وَمَا طَغَى ) (النجم:17) ، وَالْبَصَر مِنْ آلَات الذَّات لَا الرُّوح، وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ حُمِلَ عَلَى الْبُرَاق، وَهُوَ دَابَّة بَيْضَاء بَرَّاقَة لَهَا لَمَعَان، وَإِنَّمَا يَكُون هَذَا لِلْبَدَنِ لَا لِلرُّوحِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاج فِي حَرَكَتهَا إِلَى مَرْكَب تَرْكَب عَلَيْهِ -وَاَللَّه أَعْلَم-.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِرُوحِهِ لَا بِجَسَدِهِ، قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق بْن يَسَار فِي السِّيرَة: حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن عُتْبَة بْن الْمُغِيرَة بْن الْأَخْنَس، أَنَّ مُعَاوِيَة بْن أَبِي سُفْيَان كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "كَانَتْ رُؤْيَا مِنْ اللَّه صَادِقَة".
وَحَدَّثَنِي بَعْض آلِ أَبِي بَكْر أَنَّ عَائِشَة كَانَتْ تَقُول: "مَا فُقِدَ جَسَد رَسُول اللَّه، وَلَكِنْ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ". قَالَ اِبْن إِسْحَاق: فَلَمْ يُنْكَر ذَلِكَ مِنْ قَوْلهَا لِقَوْلِ الْحَسَن إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ: ( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إِلَّا فِتْنَة لِلنَّاسِ )؛ وَلِقَوْلِ اللَّه فِي الْخَبَر عَنْ إِبْرَاهِيم: ( إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام أَنِّي أَذْبَحك فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) (الصافات:102) ، قَالَ: ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ، فَعَرَفْت أَنَّ الْوَحْي يَأْتِي لِلْأَنْبِيَاءِ مِنْ اللَّه أَيْقَاظًا وَنِيَامًا، فَكَانَ رَسُول اللَّه -صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُول: ( تَنَامُ عَيْنِي وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي ) (متفق عليه) . وَاَللَّه أَعْلَم.
أَيْ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ وَعَايَنَ مِنْ اللَّه فِيهِ مَا عَايَنَ عَلَى أَيّ حَالَاته كَانَ نَائِمًا أَوْ يَقْظَانًا، كُلّ ذَاكَ حَقّ وَصِدْق" (اِنْتَهَى كَلَام اِبْن إِسْحَاق) ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير فِي تَفْسِيره بِالرَّدِّ وَالْإِنْكَار وَالتَّشْنِيع بِأَنَّ هَذَا خِلَاف ظَاهِر سِيَاق الْقُرْآن، وَذَكَرَ مِنْ الْأَدِلَّة عَلَى رَدّه بَعْض مَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم" (انتهى مِن تفسير ابن كثير) .
هذا ولم يرد عنه -صلى الله عليه وسلم- احتفال بهذه الليلة كما يفعله بعض الناس "بل هذا مِن البدع"؛ ولنعلم أن الاحتفال الحقيقي هو في حسن التزامنا بديننا، والسعي في إقامته في غيرنا؛ لا باحتفالاتٍ وابتهالاتٍ وشعاراتٍ، ثم يضيِّع كثير منا سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-.