مِن معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة (2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
العدوان الإسرائيلي على غزة في عامي (2008م ، 2012م)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد جاءت نتائج الانتخابات الفلسطينية في قطاع غزة في 25-1-2006م -في أعقاب الانسحاب الإسرائيلي منها- بفوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بالأغلبية، حيث حصلت حركة حماس على 76 مقعدًا مِن 132 مقعدًا، بينما حصلت حركة (فتح) على 43 مقعدًا، وتقاسمت باقي الفصائل والاتجاهات السياسية باقي المقاعد.
وجاء تصاعد نفوذ حماس في الشارع الفلسطيني نتيجة تبنيها منهجًا أكثر تعبوية في وجه الاحتلال الإسرائيلي، فحماس إسلامية التوجه والفكر، وترفع شعار المقاومة للتخلص مِن الاحتلال؛ لذا أحدث وصول حماس للحكم ارتباكًا للمسئولين في إسرائيل، إذ رأت إسرائيل أن الظروف الأمنية المحيطة بها قد تغيرت، ففوز حماس بالانتخابات لا يعد شأنًا فلسطينيًّا داخليًّا فقط، بل سيؤثر على ما تريد إسرائيل طرحه مِن شروط وحلول جزئية للقضية الفلسطينية تتفق ومصالحها.
وهكذا بدأ التوتر يسود إسرائيل بشأن ما ستؤول إليه الأمور داخل الساحة الفلسطينية التي صارت حماس تسيطر على حكوماتها، بينما يتولى الرئيس المنتخب محمد عباس -أبو مازن- مِن (منظمة فتح) الرئاسة والسلطة؛ إذ مِن المتوقع أن يصحب هذا الحدث أيضًا تغيرًا في موازين القوى في المنطقة، وهو تغير يتوقف على تفعيل حماس لتوجهاتها التي قامت مِن أجلها، ومدى استقلالية الحركة، أو تبعيتها لقوى إقليمية أخرى.
وسرعان ما اتخذت إسرائيل موقف العداء للحركة ونظام الحكم في قطاع غزة، وفرضت الحصار عليه وسعت لكسب التأييد الدولي لعزل حكومة حماس، وعرقلت تواصل المفاوضات مع الفلسطينيين، وامتنعت عن مواصلة أي انسحاب مِن الضفة الغربية خشية امتداد سيطرة "حماس" إليها، ومنعت "حماس" مِن السيطرة على معابر غزة حتى لا تتمكن مِن نقل أو إدخال الأسلحة للقطاع.
ثم تطور الأمر إلى التصعيد الميداني مِن خلال سياسة الاغتيالات والاعتقالات والاجتياحات الإسرائيلية، وإظهار الصلابة مع الفلسطينيين؛ رغم ما يلحق الفلسطينيين بذلك مِن أضرار بالغة، بل قامتْ إسرائيل في خطوة لا مثيل لها باعتقال العشرات مِن نواب ووزراء حماس، وهددت بتصفية رئيس الحكومة المنتمي لحماس (إسماعيل هنية) خاصة مع تزايد سقوط صواريخ (القسام) الفلسطينية على المستوطنات الإسرائيلية.
وبلغ الأمر ذروته بقيام إسرائيل في تحدٍّ سافر بشنِّ ثلاثة حروب على قطاع غزة في أعوام 2008م، و2012م، و2014 م، لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة وموجعة لحماس، ولزعزعة ثقة الفلسطينيين في قدرة حماس على مواجهة إسرائيل وحماية الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة الذي تسيطر عليه.
الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة في 2008م:
وهي العملية التي أطلقت عليها إسرائيل عملية (الرصاص المصبوب)، بينما أطلقت عليها حماس حرب (الفرقان).
كان هدف إسرائيل مِن العملية العسكرية إنهاء إطلاق الصواريخ مِن غزة على جنوب إسرائيل والمستوطنات بطريقة رادعة، بينما كان هدف حماس مِن التصدي للعملية العسكرية إجبار إسرائيل على وقف العملية وإنهاء العدوان، وقبول إسرائيل برفع الحصار المفروض على قطاع غزة فعليًّا.
وقد تمتْ هذه العملية العسكرية بعد انتهاء تهدئة تم الاتفاق عليها بيْن إسرائيل وحماس برعاية مصرية في يونيو2008 م، تعهدت فيها حماس والفصائل الفلسطينية بالامتناع عن إطلاق صواريخها قصيرة المدى على المستوطنات والمدن الإسرائيلية في مقابل قيام إسرائيل برفع الحصار الذي تفرضه على قطاع غزة وفتح المعابر.
وقد رفضت حماس تمديد التهدئة بعد نهايتها؛ نظرًا لأن إسرائيل:
- لم تفِ بتعهدها برفع الحصار عن قطاع غزة، وفتح المعابر طوال فترة التهدئة السابقة.
- قامت بـ(162) اختراقًا للهدنة بمبرراتٍ واهيةٍ -أو بدون- خلال فترة التهدئة، وكان أشدها في "4-11-2008م" بشنِّ غارة جوية على القطاع أسفرت عن مقتل 6 مسلحين مِن حماس.
- قامت بالعديد مِن الاغتيالات والعمليات والاعتقالات ضد المدنيين والصيادين الفلسطينيين تتنافى مع مواثيق حقوق الإنسان.
- بعد انتهاء الهدنة في يوم الجمعة 19-12- 2008م قامتْ حماس والفصائل الفلسطينية بإطلاق 130 صاروخًا وقذيفة (هاون) على جنوب إسرائيل، فقابلته إسرائيل بالتهديد بالقيام بعملية عسكرية ضد القطاع، وبدأت بعض المساعي الدولية للوصول إلى تهدئة قامتْ بها مصر مِن جانبٍ، وأيضًا تركيا مِن جانب آخر. وقبل وقوع العملية بيومين فقط أعلنت وزيرة الخارجية الإسرائيلية (ليفني) مِن القاهرة -خلال زيارتها لها- أن إسرائيل لن تسمح بعد الآن باستمرار سيطرة حماس على قطاع غزة.
الخداع الإسرائيلي لحماس:
لمباغتة حماس بالعدوان عليها عمدتْ إسرائيل إلى خداع حماس بعدة وسائل، منها:
- أعلنت مِن جانبها عن مهلة 48 ساعة لوقف إطلاق الصواريخ، وإلا ستلجأ بعدها إلى عملية عسكرية موسعة ضد قطاع غزة، ولكنها بدأت العدوان قبْل انتهاء هذه المهلة التي حددتها مِن جانبها بيوم.
- أعلنت إسرائيل عن عقد اجتماع للوزارة الإسرائيلية يوم الأحد 28-12-2008م، وهو اليوم التالي لليوم الذي بدأت فيه عمليتها العسكرية على القطاع، لمناقشة احتمالية القيام بعملية مكثفة على قطاع غزة.
- قبل بدأ العملية العسكرية بيومٍ واحدٍ قامتْ إسرائيل بفتح معابر غزة وسمحت بإدخال غاز صناعي، وغاز طبخ، وشاحنات إغاثة للقطاع.
- وفي وسط هذه الأجواء قامت إسرائيل بمباغتة حماس ببدء عدوانها العسكري في يوم السبت -وهو يوم راحة في الديانة اليهودية- الموافق 27-12-2008 م، واستمر هذا العدوان حتى 18-1-2009م في مواجهة غير متكافئة بيْن قوات الجيش الإسرائيلي المدعمة جوًّا وبحرًا، وبيْن حماس -والفصائل الفلسطينية- محدودة الإمكانيات، والذي تعمدت فيها إسرائيل الاعتداء على المدنيين الفلسطينيين العزل، وتدمير البنية التحتية الفلسطينية لزعزعة ثقة الفلسطينيين في حماس، وانقلاب موقفهم منها وتأييدهم لها.
المرحلة الأولى مِن العملية العسكرية: