شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

تحري اليقظة... تعليقات على مقال: (آنَ أوَانُ اليَقَظَة)

رجب صابر • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اختلفتْ مشارب القراء تجاه مقال فضيلة الشيخ ياسر برهامي: (آنَ أوَانُ اليَقَظَة)، فقام كثيرٌ مِن أبناء "الدعوة السلفية" بنشره ثقة منهم في الشيخ -حفظه الله-، بل قام بعض أبناء الدعوة بنشر بعض الفوائد العلمية والمنهجية المستفادة منه، في حين اعترض بعض مَن يخالِف قرارات الدعوة على هذا المقال؛ فنشر بعض أبناء الدعوة سابقًا "ثم المعترضين على قراراتها حاليًا" نقدًا له على صفحته على "الفيس بوك"، وقام آخرون مِن المعترضين بتأييد هذا النقد أيضًا، واختلفتْ عبارات هؤلاء، وربما ضمَّنوا اعتراضهم بعض الأمور العلمية التي تحتاج إلى بيانٍ.

وفيما يلي عدة نصائح لهذه الطوائف كلها؛ مِن ناشري المقال، ومستخلصي الفوائد منه، والمعترضين عليه.

أولًا: قواعد عامة:

1- العلم هو معرفة الحق بدليله: قال أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله-: "حد العلم عند العلماء والمتكلمين في هذا المعنى هو ما استيقنتَه وتبينتَه، وكل مَن استيقن شيئًا وتبينه فقد علمه، وعلى هذا مَن لم يستيقن الشيء وقال به تقليدًا فلم يعلمه، والتقليد عند العلماء غير الاتباع؛ لأن الاتباع هو تتبع القائل على ما بان لك مِن فضل قوله وصحة مذهبه، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرف وجه القول ولا معناه، وتأبى مَن سواه، أو أن يتبين لك خطؤه فتتبعه مهابة خلافه وأنت قد بان لك فساد قوله، وهذا محرم القول به في دين الله -سبحانه وتعالى-" (جامع بيان العلم وفضله 2/ 787) .

وقال ابن القيم -رحمه الله-: "وقال أبو عمر وغيره مِن العلماء: أجمع الناسُ على أن المقلِّد ليس معدودًا مِن أهل العلم، وأن العلم معرفَةُ الحق بدليله. وهذا كما قال أبو عمر -رحمه اللَّه تعالى-؛ فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد" (إعلام الموقعين 2/ 11) .

وفي هذا وغيره تنبيه للمسلمين عمومًا "ولأبناء الدعوة السلفية خصوصًا" أن يقيسوا الأمور بمقياس الشرع، وألا يكون اتباعهم لمشايخهم اتباعًا عاطفيًّا ينطلق مِن قول الشاعر:

إذا قالت حذام فصدقوها فإن القول ما قالت حذام!

بل ينبغي أن نحرص على معرفة القول بدليله، وهذا ما ربَّى عليه الشيخ ياسر تلاميذه، وما حرص عليه مشايخ الدعوة، بل علماء الأمة قديمًا وحديثًا، والردود العاطفية على مَن يخالفك تضر أكثر مما تنفع.

ومِن هذا المنطلق أيضًا أتوجَّه بالخطاب للمخالفين لما في هذا المقال وأقول: إن الاعتراض على كلام الشيخ ينبغي أن يكون بالحجة والبرهان، ولا ينبغي أن نجعل الخلفية النفسية هي المرجع الأساس للنقاش والاعتراض، فينبغي للمنصف إذا أراد أن ينقد أن يستبعد أثناء نقده الأثر النفسي والجانب العاطفي ليحقق الغرض مِن مدى موافقة الكلام للشرع مِن عدمها، وأن يكون الدافع الحقيقي هو العمل بقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ( الدِّينُ النَّصِيحَةُ ) (رواه مسلم) .

2- إما بينة وإما ادعاء: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ ) (متفق عليه) .

وصدق القائل:

والدعاوى ما لم يقيموا عليها بــيِّــنــات أبــنــاؤها أدعــيــاء

فينبغي لمَن أثبت شيئًا أن يثبته ببينةٍ، ومَن نفى أمرًا أن ينفيه بيينةٍ، ولا ينبغي للعاقل فضلًا عن المسلم أن يَقبل قول أحدٍ بدعوى ذكرها حتى يقيم له على ذلك بينة؛ وإلا فالأصل بقاء ما كان على ما كان.

3- مراعاة مدلولات الألفاظ وكيفية التعامل عند اختلافها: لا يخفى على المطلع أن مِن الألفاظ ما يكون عامًّا، ومنها ما يكون خاصًّا، ومنها ما يكون مطلقًا، ومنها ما يكون مقيدًا، وإذا كان العلماء قد راعوا مدلولات الألفاظ في نصوص الكتاب والسُّنة، فقد راعوه أيضًا في أقوال عموم الناس، وكلام أهل العلم جدير بأن يُراعى فيه ذلك، وانظر إلى مذهب الإمام أحمد -على سبيل المثال-.

قال ابن بدران -رحمه الله-: "لا يخفاك أن الأصحاب أخذوا مذهب أحمد مِن أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك، فكانوا إذا وجدوا عن الإمام في مسألة قولين عدلوا أولًا إلى الجمع بينهما بطريقةٍ مِن طرق الأصول؛ إما بحمل عام على خاص أو مطلق على مقيد، فإذا أمكن ذلك كان القولان مذهبه، وإن تعذر الجمع بينهما وعُلم التاريخ؛ فاختلف الأصحاب فقال قوم: الثاني مذهبه. وقال آخرون: الثاني والأول. وقالت طائفة: الأول ولو رجع عنه. وصحح القول الأول الشيخ علاء الدين المرداوي في كتابه تصحيح الفروع وتبع غيره في ذلك، فإن جهل التاريخ فمذهبه أقرب الأقوال مِن الأدلة أو قواعد مذهبه، ويخص عام كلامه بخاصه في مسألة واحدة" (المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ص126) .

وبمطالعة أبواب الأيمان والنذور أو أبواب الوقف وغيرها في كتب الفقه المختلفة تقف على أمثلةٍ لمراعاة دلالة ألفاظ الناس، وما يترتب عليها مِن أحكام، فإذا كان هذا مع عوام الناس لا سيما أهل العلم، فينبغي لمَن وقف على عبارةٍ حسبها في كلام الشيخ عامة أو مطلقة أو مجملة ينبغي أن يُستصحب سائر كلامه في كتبه ومقالاته ومحاضرته، والأولى مِن ذلك الاستفسار المباشر منه لمَن أراد أن يستوضح قبْل أن يُتهم أو يطعن أو يهمز أو يلمز.

ثانيًا: قراءة لبعض ما ذُكر في المقال:

1- تناول الشيخ الحديث عن تكاتف أبناء الدعوة على قرارٍ مِن قراراتها، فإذا اعترض أحدٌ على أصل القرار؛ فذاك شأنه هو، وأما حيثيات هذا القرار فمذكورة في مقالاتٍ أخرى، ومحاضراتٍ مختلفة.

2- أثنى الشيخ على عدم التفات أبناء الدعوة إلى ما يقوله المعترضون، فمَن يرغب في تغيير مسار هذا الوضع الذي عليه الدعوة، ويعمل على زعزعة ثقة أبنائها في مشايخهم؛ فالله حسيبه وهو أعلم بنيته.

3- ثم تساءل الشيخ:

"أَيُّ قضيةٍ مِن قضايا الدين .... قد تنازلنا عنها؟!

وَأَيُّ قضايا الإسلام .... قد تخلينا عنها؟!

وَأَيُّ قضايا الإحسان ..... قد هدمناها أو بعناها؟!".

الصفحة التالية