حكيم أرطغرل (ابن عربي) في ميزان القرآن والسُّنة (1)
مصطفى إبراهيم • المنهج السلفي
(ابن عربي)... الروافد التي صاغتْ فلسفته، ومصادر تلقي الدين عنده
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتكمن أهمية وخطورة المسلسلات التاريخية والتي تتعرض لحقبةٍ زمنيةٍ معينةٍ، في كونها تمثِّل في أذهان المشاهدين صورة ذهنية حول تلك الحقبة، بل وتكون تلك الصورة الذهنية عند المشاهد أسرع استحضارًا مما لو قرأ عنها في كتب التاريخ والسير؛ لذا وجب التدقيق والتنبيه على تلك الأحداث التي ترسخ في أذهان المشاهدين مع تتابع الحلقات، حتى تصبح مع مرور الوقت كالحقائق التاريخية المُسلَّمة التي لا تقبل النقاش أو الجدال!
ويزداد الأمر خطورة إذا كان ارتباط تلك الأحداث ببعض الشخصيات الدينية؛ لاسيما إذا كانت شخصيات قد حذر منها علماء الإسلام قديمًا وحديثًا، فتقوم تلك المسلسلات التاريخية -مِن خلال سيناريوهات محبوكة متقنة- بتحسين الوجه القبيح لتلك الشخصيات، وعرضها في صورة الحكماء أو الزعماء الروحيين أو الملهمين للأمة؛ مما يكون له بالغ الأثر على عوام المسلمين في تقبل ضلالات وخرافات وبدع تلك الشخصيات في المستقبل؛ لأن الصورة الذهنية التي خلَّفتها تلك المسلسلات خاطئة ومجانبة للصواب، ولحقيقة حال تلك الشخصيات، بل ويستغل مروجو تلك الأفكار والمسلسلات جهل البعض بحقيقة تلك الشخصيات؛ لإيقاع المشاهد -دون أن يشعر- فريسة سهلة لتلك المغالطات الفكرية الخطيرة والمنحرفة عن منهج الإسلام الوسطي الصحيح.
ولقد عانت الأمة مِن تلك المغالطات التاريخية والأدبية -والعلمية أحيانًا- جراء تلك المسلسلات التي تعرض حقبًا تاريخية مرَّتْ بها أمتنا الإسلامية، عرضًا مغلوطًا لا يعبِّر عن الحقيقة.
إلا أن أخطر وأشهر تلك الشخصيات التي تناولتها المسلسلات التاريخية بالمغالطة: ما تم تناوله في المسلسل التركي المشهور: "قيامة أرطغرل" مِن عرض لشخصية "ابن عربي"؛ تلك الشخصية الصوفية الفلسفية الغالية، التي صورها المسلسل بصورةٍ مخالفةٍ لحقيقة الحال؛ لذا وجب التنبيه والنصح للمسلمين حول حقيقة منهج "ابن عربي"، وبيان حقيقة ما كان يدعو إليه في كتبه ومؤلفاته، وذلك مِن خلال عدة مقالات سنتناول مِن خلالها -إن شاء الله- بيان حقيقته عن طريق عرضٍ علميٍ وصفيٍ منصف لعقيدته وفكره، نلتزم فيها -إن شاء الله- بقواعد النقد العلمي الصحيح، ولن نذكر فيها معلومة إلا مِن خلال كتبه ومؤلفاته؛ لاسيما كتابي: (الفتوحات المكيّة)، و(فصوص الحكم)، وهما الكتابان اللذان لا يختلف اثنان في نسبتهما إليه.
المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها "ابن عربي":
ينتمي "ابن عربي" إلى المدرسة الصوفية الفلسفية الغالية، وقد كانت أفكاره وفلسفته وليدة البيئة التي نشأ فيها وتكوّن فيها وعيه الأول، حيث ولد ابن عربي بالأندلس، وعاش في الفترة مِن (560هـ وحتى 638هـ)، تلك المرحلة التي تأثر فيها بالثقافات والفلسفات الأخرى والديانات المختلفة، وبالتالي فقد تأثر ابن عربي بكل هذه التيارات والأجواء التي كانت موجودة في عصره؛ لذلك تعتبر آراؤه وأفكاره وفلسفته الفكرية مزيجًا مِن عدة ثقافاتٍ قديمةٍ ودياناتٍ وثنيةٍ، كما سيأتي بيانه بالتفصيل.
الروافد التي استمد منها "ابن عربي" فكره ومنهجه:
من الطبيعي أن نجد أن أول العوامل المؤثرة في سيرة كل عالم أو مصلح: القرآن ثم السُّنة ثم أقوال الصحابة -رضي الله عنهم-، لكن الحال مع ابن عربي يختلف عن المعهود!
فإليك أيها القاري الكريم المصادر التي استمد منها ابن عربي فكره ومنهجه:
أولاً: التراث الفارسي والهندي الوثني القديم، فإن عددًا كبيرًا مِن الأفكار التي دعا إليها موروثة عِن التراث الهندي الوثني القديم (وقد ذكر ذلك الدكتور محمد إبراهيم الفيومي، في كتابه: الشيخ الأكبر ابن عربي صاحب الفتوحات المكية، ص:26) .
ثانيًا: الفلسفة الأفلاطونية القديمة: فإن أول خاصية تظهر لمَن قرأ في كتبه هي: الأثر الأفلاطوني العميق المتغلغل في كل مذهبه، وبخاصة في تصوفه (انظر كتاب: ابن عربي حياته ومذهبه -كتاب مترجم-، آسين بلاثيوس، ص:260) ؛ لذا فقد سمَّاه بعض الباحثين المتخصصين في التصوف: (ابن أفلاطون)؛ نظرًا لتأثره الشديد بالفلسفة الأفلاطونية التي أثرت على عقيدته! (انظر كتاب: الشيخ الأكبر ابن عربي، للدكتور الفيومي، ص:28) .
ثالثًا: تأثره الشديد بالديانة النصرانية المحرّفة: وتقارب ابن عربي الشديد مع العقيدة النصرانية المحرّفة -القائلة بتجسد الإله في البشر، وحلوله فيهم-؛ هو بسبب التأثير الواسع الذي أحدثته الرهبانية في التصوف (انظر: ابن عربي حياته ومذهبه، آسين بلاثيوس، ص:257) ، بل لقد صرّح بأن التثليث النصراني هو عين التوحيد! (كما في كتابه: الفتوحات المكية 4/ 370)، وسيأتي في مقالاتٍ قادمةٍ مزيد بيان لذلك -إن شاء الله-، بل لقد قال الأستاذ أبو العلا عفيفي -وهو مِن أبرز المهتمين بتحقيق ونشر كتب ابن عربي-: "تلعب فكرة التثليث دورًا هامًّا جدًّا في فلسفة ابن عربي، وغريب حقًّا أن يكون لها هذا الشأن في تفكير صوفي مسلم!" (انظر المعجم الصوفي، سعاد الحكيم، ص:248-249) .
رابعًا: تأثره بالشيعة: فقد ذكر ابن خلدون -رحمه الله- أن ابن عربي قد تأثر بعقيدة الشيعة الرافضة في حلول الله بالبشر وتأليه الأئمة؛ فقال -رحمه الله- عن ذلك: "فأشرب كل واحد مِن الفريقين مذهب الآخر، واختلط كلامهم، وتشابهت عقائدهم" (نقلاً عن كتاب: المقدمة، ابن خلدون ص:584) .
خامسًا: تأثره بالفلسفة الهرمسية: (وهي فلسفة قديمة تعتمد على الفلك والسحر والتنجيم، والأساطير اليونانية)، وعمومًا فقد تجمعت العقائد الهرمسية في المعتقدات الصوفية بواسطة ابن عربي، وهذه ظاهرة في كتاباته! (نقلاً عن: نظرية المعرفة الإشراقية وأثرها في النظرة إلى النبوة، د. إبراهيم هلال، ص16) .
سادسًا: الديانة البوذية: فعقيدة وحدة الوجود عند ابن عربي -وسيأتي بيانها وشرحها- تشاكل عقيدة (النرفانا) عند البوذيين (نقلًا عن كتاب: ظهر الإسلام، د. أحمد أمين 2/ 155) .