شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكيم أرطغرل (ابن عربي) في ميزان القرآن والسُّنة (1)

مصطفى إبراهيم • المنهج السلفي

إذن أيها القاري الكريم هذه بعض الروافد الفكرية التي استقى منها ابن عربي عقيدته! وأشبع بها كتبه وأفكاره، وقد ولّدت تلك الروافد عقائد هي أبعد ما تكون عن القرآن والسُّنة! فتصوف ابن عربي ليس زهدًا ولا تقشفًا، ولكنه اتجاه عقلي فلسفي خاص يرمي به إلى إثبات شخصية الإنسان في الوجود الإلهي -كما سيأتي بيانه في مقالات قادمة إن شاء الله-.

مصادر تلقي الدين والشريعة عند "ابن عربي":

مِن المعلوم لدى كل مسلم ومسلمة أن مصادر تلقي الشريعة في الإسلام هي:

أولاً: القرآن الكريم: كلام الله -سبحانه وتعالى-.

ثانيًا: أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثالثًا: إجماع أهل العلم.

رابعًا: القياس الصحيح المكتمل الشروط والأركان.

فهذه هي المصادر الأصلية التي نعرفها جميعًا، ويرجع إليها المسلمون في معرفة دينهم، وهذا محل اتفاق وقبول بيْن جميع الأمة الإسلامية -ولله الحمد-.

والسؤال الآن: ما هي مصادر تلقي الدين عند ابن عربي؟!

لا شك عندنا جميعًا أن وحي السماء إنما ينزل على الأنبياء والمرسلين، ثم يبلغه الأنبياء والرسل -عليهم الصلاة والسلام- إلى أقوامهم وأممهم، قال الله -تعالى-: ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ) (الشعراء:193-194) ، ولكن ابن عربي كان له رأي آخر!

المصدر الأول عند ابن عربي: أنه يمكن للإنسان إذا كان مِن الأولياء الصالحين أن يتلقى عن الله -تعالى- مباشرة بلا حاجةٍ للأنبياء والرسل! فيقول ابن عربي في أحد أبواب كتابه المشهور (فصوص الحكم): "وأنا إن شاء الله أسرد في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر الإلهي في خاطري، فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب" (انظر كتاب "فصوص الحكم"، ابن عربي ص58) .

ويقول أيضًا: "فنحن ما نعتمد في كل ما نذكره إلا على ما يُلقي الله عندنا مِن ذلك، لا على ما تحتمله الألفاظ مِن الوجوه" (الفتوحات المكية، ابن عربي 1/136) ، يعني: لا يعتمد على ألفاظ الشرع، بل يعتمد على ما يوحيه الله إليه!

بل يزعم -والعياذ بالله- أن رب العالمين -سبحانه- يتمثل له فيأخذ عنه علمًا ليس في الكتب؛ فيقول: "ونحن قد أخذنا عن مثل هذه الصورة أمورًا كثيرة مِن الأحكام الشرعية، لم نكن نعرفها مِن جهة العلماء ولا الكتب" (الفتوحات المكية، ابن عربي 3/70) .

فالرجل في هذه النقولات وغيرها يدّعي أنه ينقل عن الله -تعالى- مباشرة بلا واسطة! بل يدّعي أنه تلقى عن الله -تعالى- عن طريق التكليم المباشر! بل إن المفاجأة الكبرى أنه زعم أن تلقيه عن الله -سبحانه- أفضل وأعظم وأكمل مِن تلقي الأنبياء والرسل عن الله! فيزعم أن الرسل يتلقون عن الله بواسطة جبريل -ويسميه: الخيال النفساني!-، أما هو فيتلقى مباشرة مِن اللوح المحفوظ -ويسميه: المعدن العقلي المحض الذي يأخذ منه جبريل!-.

المصدر الثاني: أنه كان ينزل عليه الوحي كما كان ينزل على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيقول في كتابه (الفتوحات المكية): "فوالله ما كتبتُ منه -يعني: كتابه الفتوحات المكية- حرفًا إلّا عن إملاء رحماني، وإلقاء ربّاني، أو نفث في روع كياني؛ هذا جملة الأمر، مع كوننا لسنا برسل مشرعين، ولا أنبياء مكلفين" (الفتوحات المكية، ابن عربي 1/136) ، ثم أنشد قائلًا:

"الله أنـشـأ مِن طــي وخـــولان جـسمـي فـعدلني خلقا وسـواني

وأنشأ الحق لي روحا مـطهــرة فـليـس بنيان غيري مثل بنياني

إني لأعرف روحًا كان ينزل بي من فوق سبع سماوات بفـرقان"

فانظر أيها القارئ الكريم إلى هذه الجرأة، وهذا الادعاء الباطل، الذي -للأسف- يصادِم عقيدة مِن عقائد الإسلام، حيث ذكر أن الروح الأمين وهو جبريل -عليه السلام- ينزل عليه بوحيٍ السماء، بل هذا مصادم لقول الله -تعالى-: ( اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ) (الحج:75) ، قال ابن كثير في تفسيره: "يخبر -تعالى- أنه يختار مِن الملائكة رسلًا فيما يشاء مِن شرعه وقدره، ومِن الناس لإبلاغ رسالاته، كما قال: ( اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ) (الأنعام:124) " (انظر تفسير ابن كثير 5/ 454) .

ما مدى خطورة قول ابن عربي في مسألة التلقي عن الله -تعالى- مباشرة؟!

هذا القول الباطل الخطير يفتح الباب على مصراعيه للإلحاد والانسلاخ مِن الدين؛ وذلك مِن خلال الزعم أن هناك مصادر أخرى لتلقي الدين غير طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد اتفقتْ كلمة الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أن هذه الدعوى تقود الإنسان إلى الكفر والإلحاد والاستغناء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والشرع المنزل! ولو كان الأمر كذلك فما الفائدة إذن مِن قولنا: "وأشهد أن محمدًا رسول الله"؟! فإنه مما لا شك فيه أن الوحي قد انقطع بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.

ومِن خطورة أقوال ابن عربي في هذه المسألة أن هذا أيضًا يفتح الباب للزيادة في الدين؛ فإن مَن يدعي نزول الوحي عليه سيأمر الناس بلا شك بطاعة أوامره بغير نقاشٍ ولا جدالٍ، وهذا باطل بلا شك؛ فالأنبياء فقط هم مَن تجب طاعتهم أما مَن سوى الأنبياء فيجب عرض أقوالهم أولًا على الكتاب والسُّنة، فإن كانت موافقة لشرع الله قُبلت، وإن كانت مخالفة لشرع الله لا تقبل.

المصدر الثالث: إدعاء ابن عربي رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة، وتلقي الأحاديث عنه!

مِن المزاعم الغريبة العجيبة التي يزعمها ابن عربي أنه يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ويتكلم معه حال اليقظة -وليس في المنام-!، بل يزعم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سلّمه بعض الصحائف المكتوبة! ثم قام بنشرها للناس بعد ذلك على أنها مما تلقاه عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-! وهذا مِن أعجب العجاب، وأبطل الباطل، وأمحل المحال، ويخالف عقلاء العالم!

الصفحة السابقة الصفحة التالية