حكيم أرطغرل (ابن عربي) في ميزان القرآن والسُّنة (1)
مصطفى إبراهيم • المنهج السلفي
فيقول مثلًا: "فإني رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مبشرة أريتها في العشر الأخر مِن محرم سنة سبع وعشرين وستمائة بمحروسة دمشق، وبيده -صلى الله عليه وسلم- كتاب، فقال لي: "هذا كتاب فصوص الحكم خذه واخرج به إلى الناس ينتفعون به"، فقلتُ: السمع والطاعة لله ولرسوله وأولي الأمر منا كما أُمرنا، فحققت الأمنية وأخلصت النية وجردت القصد والهمة إلى إبراز هذا الكتاب كما حده لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن غير زيادة ولا نقصان!" (فصوص الحكم، ابن عربي ص47) .
ما مدى خطورة هذا المصدر عند ابن عربي؟!
إن زعم ابن عربي أنه يتلقى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يؤدي إلى إلغاء الفائدة مِن علم رواية الأحاديث؟! فما الفائدة إذن مِن علم مصطلح الحديث، ومعرفة أحوال الرواة مِن حيث التوثيق والتضعيف؟!
هذا العلم الشريف الذي يتعرف به العلماء على الصحيح والضعيف مِن أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ هذا العلم الشريف الذي تميزت به الأمة الإسلامية عن سائر الأمم، هذا العلم الذي لم تعرف البشرية مثله في نسبة وتوثيق قول إلى قائله، هذا العلم -أيها القاري الكريم- لا يعتبر شيئًا عند ابن عربي! فهو لا يعتمد عليه أبدًا ولا على قواعده التي تعب علماء المسلمين في وضعها وصياغتها للتمييز بيْن الصحيح والضعيف! والسبب في ذلك أنه يصرّح بأنه يأخذ الأحاديث مشافهة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فما فائدة الأسانيد عنده إذن؟! وما الداعي عنده لأحاديثنا ورواياتنا وحدثنا وأخبرنا ؟! وما الطائل مِن رواه فلان عن فلان عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!
فانظر أيها القارئ الكريم إلى قوله أيضًا: "ومَن كان مِن الصالحين ممَن كان له حديث مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في كشفه، وصحبه في عالم الكشف والشهود، وأخذ عنه: حُشر معه يوم القيامة، وكان مِن الصحابة الذين صحبوه في أشرف المواطن، ولا يلحق بهذه الدرجة صاحب النوم ولا يسمى صاحبًا حتى يراه وهو مستيقظ، ويصحح له مِن الأحاديث ما وقع فيه الطعن مِن جهة طريقها!" (الفتوحات المكية، ابن عربي 3 /50) .
فيظهر مِن هذا النقل أن "ابن عربي" أثبت أمورًا عجيبةً، ليس عليها دليل مِن كتاب الله، ولا مِن سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي:
أولًا: إثبات أن مِن أولياء الله الصالحين مَن يكون له شهود ومكاشفة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة!
ثانيًا: جعل مقابلته للنبي -صلى الله عليه وسلم- بابًا مِن أبواب العلم بالصحيح والضعيف مِن أحاديثه -صلى الله عليه وسلم-.
ثالثًا: أنه أثبت أعلى درجات الصحبة لنفسه ولمَن لحق بهذه الدرجة مِن المكاشفة والرؤية له -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة، حيث قال: "وكان مِن الصحابة الذين صحبوه في أشرف المواطن".
رابعًا: أن قوله: "يصحح له الأحاديث ما وقع فيه الطعن مِن جهة طريقها"، يعني يصحح له الأحاديث الضعيفة التي لا تثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-!
وقد يتساءل سائل: ما هو حقيقة ما يسمعه ويراه ابن عربي مما يدعي أنه خطاب مِن الله -تعالى-، أو خطاب مِن النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو خطاب مِن جبريل -عليه السلام-؟!
الجواب: إن هذا لا شك مِن خطاب الشيطان له؛ فإن الله -تعالى- يقول: ( وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ) (الأنعام:121) .
ومعنى هذه الآية: أن الشياطين يوسوسون إلى أوليائهم مِن أهل البدع والمعاصي لكي يشرِّعون لكم التشريعات التي تضاهي شريعة الله -تعالى-، وإن أطعتموهم في هذه التشريعات فإنكم ستقعون في الشرك بالله؛ لأن طاعتهم مع طاعة الله تعتبر تشريك لله -تعالى- في طاعته وتشريعه ( أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ) (الشورى:21) .
وهذه ليستْ إلّا أحوالًا شيطانية يزعمها غلاة الصوفية؛ حيث يزعمون أنهم يقابلون النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد موته، فيصبحون مِن الصحابة! والحقيقة أنهم يرون الشياطين ليس إلا؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُرى بعد وفاته في اليقظة، لا هو ولا أحد غيره مِن الموتى.
وهذا التمثيل الشيطاني قد حصل للأمم قبلنا، كما هو مشهور من قصة بني إسرائيل عند عبادتهم للعجل، قال -تعالى-: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ ) (الأعراف:148) ، يعني: عجلًا مِن الحلي والمجوهرات صار له صوت عندما عبدوه، وهذا الصوت مِن تخييل الشيطان لهم، وهذا نظير ما حصل لابن عربي مِن تخييل الشياطين.
إذن، تناولنا في هذا المقال ثلاثة مصادر للتلقي عند ابن عربي، وهي:
1- التلقي عن الله -تعالى- مباشرة ومشافهة!
2- الأخذ عن جبريل -عليه السلام- مباشرة!
3- الأخذ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة!
وثمة مصادر أخرى للتلقي عند ابن عربي: كالرؤى المنامية، والإلهامات، وهذه سوف نتحدث عنها في المقالة القادمة -بإذن الله-، كما سنوضح منزلة العقل عند ابن عربي، وكيف أنه يلغي إعمال العقل تمامًا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.