شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

هل باع الفلسطينيون أرضهم؟!

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحركة الصهيونية والسلطان عبد الحميد:

وللتغلب على أي معوقات في هذا الجانب كان سعي (هرتزل) مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة للحصول على موافقة السلطان العثماني عبد الحميد الرسمية على استيطان اليهود في فلسطين، فبعد أن حصل هرتزل على تعاطف دول أوروبا مع المسألة اليهودية أراد أن يستغل ذلك في الضغط على الدولة العثمانية التي تقع فلسطين ضمن أملاكها، خاصة في ظل ما كانت تعانيه تركيا مِن مشاكل اقتصادية مكنت الدول الأوروبية الدائنة مِن التدخل في شئونها المالية، فقدم هرتزل عرضه المغري للسلطان العثماني في يونيو 1896م بتسوية أوضاع تركيا المالية مقابل السماح باستيطان اليهود أرض فلسطين التي يمتلكها السلطان ضمن القانون المدني فقوبل عرضه بالرفض مِن السلطان، وبعدها بعامين قابل هرتزل السلطان عبد الحميد، واقترح عليه مرة أخرى مساعدة البنوك اليهودية الغنية في أوروبا للدولة العثمانية مقابل السماح لليهود بالاستيطان في فلسطين، فجاء رفض السلطان عبد الحميد قاطعًا.

وقد كتب السلطان عبد الحميد في مذكراته عن لقاء هرتزل يقول: "لن يستطيع رئيس الصهاينة هرتزل أن يقنعني بأفكاره، وقد يكون قوله: ستحل المشكلة اليهودية يوم يقوى فيه اليهودي على قيادة محراثه بيده صحيحًا في رأيه، أنه يسعى لـتأمين أرض لإخوانه اليهود، لكنه ينسى أن الذكاء ليس كافيًا لحل جميع المشاكل... لن يكتفي الصهاينة بممارسة الأعمال الزراعية في فلسطين، بل يريدون أمورًا مثل تشكيل حكومة وانتخاب ممثلين، إنني أدرك أطماعهم جيدًا، لكن اليهود سطحيون في ظنهم أنني سأقبل بمحاولاتهم، وكما أنني أقدر في رعايانا اليهود خدماتهم لدى الباب العالي فإني أعادي أمانيهم وأطماعهم في فلسطين".

بينما كتب هرتزل يقول: "أقر على ضوء حديثي مع السلطان عبد الحميد الثاني أنه لا يمكن الاستفادة مِن تركيا؛ إلا إذا تغيرت حالتها السياسية عن طريق الزج بها في حروب تهزم فيها، أو عن طريق الزج بها في مشكلات دولية، أو بالطريقين معًا في آنٍ واحدٍ"، وهذا ما كان.

لماذا الاستيطان؟

ومما ينبغي التنبه له أن الهجرة اليهودية خاصة مع الدخول في القرن العشرين أخذت شكل التملك والاستيطان وطابع التهويد؛ إذ منعت الوكالة اليهودية اليهود المهاجرين مِن بيع أراضي المستعمرات التي تنشئها مطلقًا، كما قصرت العمل والإقامة فيها على اليهود دون غيرهم.

وقد انكشفت هذه الحقيقة بعد ذلك بعقود، جاء في نشرة لمنظمة (ماتزين) الاشتراكية الإسرائيلية عام 1969م: "ففي كل البلدان المستعمرة الأخرى سعى المستعمرون الأوربيون إلى استثمار ثروات البلاد بما فيها طاقات أبناء البلاد أنفسهم، محولين في كل مرة السكان إلى طبقة بروليتارية -أي طبقة عاملة- داخل المجتمع الرأسمالي الجديد الذي أنشأوه.

أما الصهيونية فلم ترد ثروات فلسطين فقط، بل كانت تريد فلسطين نفسها أيضًا، مِن أجل إقامة دولة قومية جديدة فيها، بما فيها الطبقة العاملة، وبالتالي لم يكن المطلوب هو استغلال العرب، بل المطلوب استبدالهم كليًّا".

وجاء في تقرير لجنة التحقيق البريطانية المكلفة بالنظر في اضطرابات وقعت في فلسطين عام 1929م: "إن تملك الأراضي الفلسطينية مِن قبْل الصندوق الوطني اليهودي قد أخرج هذه الأراضي في الواقع عن السيادة الفلسطينية، وهو يعني أن العرب قد فقدوا هذه الأراضي إلى غير رجعة، فليس فقط لن يكون بإمكانهم استئجار هذه الأراضي أو زراعتها، بل أيضًا وبموجب الإجراءات الدقيقة الواردة في نظام الصندوق اليهودي لن يعود بإمكان العرب أبدًا القيام حتى بالعمل المأجور فوق هذه الأرض، إضافة إلى ذلك لن يعود بإمكان العرب إعادة شراء هذه الأراضي كي تدخل مِن جديدٍ في الملكية القومية؛ لأنها أصبحت غير قابلة لمبدأ التنازل".

دور بريطانيا في إقامة إسرائيل:

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا قامت الدول الأوروبية المنتصرة بتقسيم الدول العربية التي كانت تحت السيادة العثمانية فيما بينها، فقامت بريطانيا مِن خلال عصبة الأمم بفرض انتدابها على فلسطين، وقامت بإدراج وعد بلفور، الذي تعهدت فيه الحكومة البريطانية في عام 1917م ببذل أقصى جهدها لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، في مقدمة وثيقة الانتداب البريطاني على فلسطين، لتجعل سياستها في فلسطين خلال الانتداب هي تمكين اليهود مِن أرض فلسطين، لذلك:

جاء في المادة الثانية مِن صك الانتداب البريطاني: "على الدولة المنتدبة -أي بريطانيا- أن تخلق في البلاد مجموعة من الأوضاع السياسية والإدارية والاقتصادية مِن شأنها تأمين قيام الوطن القومي للشعب اليهودي".

وجاء في المادة السادسة: "... ستسهل إدارة فلسطين -أي إدارة الانتداب البريطانية- الهجرة اليهودية إليها ضمن الشروط الملائمة، وستشجع بالتنسيق مع الهيئة الصهيونية المشار إليها في الفقرة الرابعة -أي المنظمة اليهودية التي لها حق إسداء المشورة لحكومة الانتداب- استيطان اليهود بشكل مكثف في أراضي البلاد بما فيها الأراضي الأميرية -أي الحكومية غير المملوكة للأفراد- وغير المستصلحة للزراعة، وغير المستعملة للخدمات العامة".

وهكذا اعتبرت عصبة الأمم نفسها مالكة لفلسطين تتصرف فيها كيفما تشاء، بتوجيه مِن بريطانيا وبتأييد مِن الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، وأعطت عصبة الأمم إنجلترا حق -بل أوجبت عليها- تهجير اليهود إلى فلسطين، ومنحهم الأراضي الفلسطينية، وتهيئة الأوضاع لإقامة وطن لهم في فلسطين، ونفذت بريطانيا المطلوب بكل ما تملكه سلطة الانتداب البريطانية مِن قوة، فهجرت مئات الألوف مِن اليهود إلى فلسطين، وسهلت لهم الحصول على ما يحتاجون إليه مِن أرض فلسطين، رغم ما أبداه الفلسطينيون خلال فترة العشرينيات والثلاثينيات مِن معارضة لسياسة بريطانيا في فلسطين، ومِن مقاومة بالسبل المتاحة لهم وصلت إلى حد الثورة الشعبية التي بلغتْ ذروتها في العصيان المدني الشامل مِن عام 1936م إلى عام 1939م.

الصفحة السابقة الصفحة التالية