هل باع الفلسطينيون أرضهم؟!
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ففي مطلع 1919م انعقد في القدس المؤتمر الفلسطيني العام الأول، والذي قام بإرسال مذكرتين إلى مؤتمر السلام -مؤتمر الصلح- بباريس يطالب فيهما باستقلال فلسطين، ويعلن رفض وعد بلفور، وفي يونيو 1919م عقد أول مؤتمر عربي في دمشق للتنبيه على خطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
وفي نفس الشهر جاءت لجنة (كينج كرين) الأمريكية بناء على اقتراحٍ مِن الرئيس الأمريكي (ويلسون) للتعرف على رغبات السكان العرب، الذين أكدوا للجنة معارضتهم التامة للهجرة الجماعية لليهود إلى فلسطين، ورفض أي سيادة لليهود عليهم.
وفي فبراير 1920م عقد مؤتمر عربي ثان للتأكيد على رفض وعد بلفور، ورفض المشروع الصهيوني لاستيطان فلسطين.
وفي أبريل 1920م قامت ثورة عربية في فلسطين ضد الهجرة اليهودية في القدس دامت أربعة أيام، وأسفرت عن سقوط العديد مِن القتلى والمصابين مِن اليهود والعرب، وأرجعت اللجنة العسكرية التي تشكلت للتحقيق في هذه الأحداث أن سببها رفض العرب للتواجد اليهودي، ولم تستجب بريطانيا لمطالب العرب.
وفي ديسمبر 1920م انعقد مؤتمر ثالث بمدينة حيفا، الذي قرر رفض وعد بلفور.
وفي يونيو 1921م عقد مؤتمر رابع في القدس، الذي تقرر فيه اختيار وفد عربي للسفر إلى أوروبا لعرض القضية الفلسطينية على الدول الأوروبية المتمدينة، وبالفعل قام الوفد بجولة في أوروبا قدَّم بعدها تقرير بنتيجة أعماله في المؤتمر الخامس الذي عقد بنابلس في أغسطس 1922م.
وهكذا توالت المؤتمرات طوال العشرينيات والثلاثينيات في ظل التعنت والتواطؤ مِن سلطة الانتداب البريطاني، وتحولت المعارضة الفلسطينية إلى ثورات شعبية قدمت فيها التضحيات الكبيرة، مِن أشهرها: ثورة البراق 1929م، وثورة 1936م.
الاستيلاء على أرض فلسطين بالاحتيال:
لما انكشف "وعد بلفور" واتضح مخطط الحركة الصهيونية أمام الفلسطينيين توالت الفتاوى مِن علماء الدين بمنع بيع الأراضي لليهود والدعوة إلى ذلك، وأعقب ذلك فشل محاولات اليهود لامتلاك أراضي فلسطينية جديدة مِن الأهالي بالترغيب تارة والترهيب تارة، وقد قام الصندوق الوطني اليهودي الذي أنشأته الحركة الصهيونية لشراء الأراضي في فلسطين بكثيرٍ مِن الوسائل المادية والخدع القانونية للاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، ومما احتال اليهود به على ذلك اتخاذ الوسطاء مِن غير اليهود في عملية الشراء، ووجدوا ضالتهم في الدروز، حيث كان أعيان الدروز يشترون الأراضي مِن الفلسطينيين، ثم يبيعونها لليهود، وكان معظم ما اشتروه مِن فلسطينيين غير مقيمين، أو مِن أراضٍ بعيدة عن العمران والمدن والقرى الكبرى في فلسطين.
ونظرًا لصعوبة تنازل أصحاب الأراضي عن أراضيهم قامتْ سلطة الانتداب البريطاني بتسهيل حصول اليهود على الأراضي الأميرية التي تحت إدارة سلطة الانتداب لتحويلها إلى مستعمرات، كما قامتْ بإرهاق الفلسطينيين بقوانين وتشريعاتٍ للتضييق عليهم، وبالتالي دفعهم مع الضغط بالترغيب والترهيب إلى تمكين اليهود مِن الاستيلاء على أراضيهم.
الاستيلاء على فلسطين بالقوة:
ورغم كل تلك الوسائل والمحاولات والتواطؤ البريطاني مع اليهود فلم يكن في ملكية اليهود عشية إعلان دولة إسرائيل عام 1948م إلا 5.6 % فقط مِن أرض فلسطين، وإنما استولى اليهود على بقية أرض فلسطين بالقوة العسكرية المباشرة والتهجير الجماعي بالقوة للفلسطينيين إذ مدت العصابات الصهيونية العسكرية المسلحة سيطرتها إلى نحو 80% مِن أرض فلسطين فيما بيْن أبريل 1948م، ومارس 1949م، أي في أقل مِن عام، فاحتلت بالقوة 420 قرية، و15 مدينة، واقترفت خلال ذلك عشرات المذابح البشعة في حق الفلسطينيين، وشردت نحو 800 ألف فلسطيني تحولوا بعد قيام دولة إسرائيل إلى لاجئين أو مشردين في شتى أنحاء العالم، وتفاقمت الأوضاع بعد حرب 1976م وما بعدها مِن العقود فصار هناك اليوم 4 ملايين لاجئ فلسطيني طردوا مِن بيوتهم وأراضيهم -التي بالطبع لم يبيعوها- واستولى عليها اليهود القادمون مِن شتى بقاع الأرض خلال العقود الطويلة السابقة.
الاستيلاء على أراضي مَن بقي مِن الفلسطينيين:
وقد سنت سلطة الاحتلال الإسرائيلي العديد مِن القوانين لسلب أكبر قدرٍ ممكن مِن ممتلكات الفلسطينيين في ظل الاحتلال، ومِن أبرزها: قانون أملاك الغائبين الذي صدر عام 1950م الذي ينقل ملكية أملاك الغائبين مِن الفلسطينيين الذين غادروا البلاد -أي فلسطين المحتلة- إلى القيم الإسرائيلي الذي عينته إسرائيل؛ هذا بالإضافة إلى فرض الحكم العسكري على الأراضي المحتلة بعد حرب 1967م، ليتسنى لإسرائيل مصادرة الأراضي بدعاوي مختلفة، مِن بينها الإعلان عن مناطق أو قرى أنها مناطق عسكرية مغلقة، وبالتالي منع أهلها مِن العودة إليها، أو مصادرة أراضي فلسطينية لشق طرق أو إقامة خدمات عسكرية، أو إقامة مستوطنات جديدة.
لقد تمتْ كل هذه الإجراءات بتواطؤ وتغاضٍ غربي أمريكي، وتغافل وتساهل لا عذر للعرب والمسلمين فيه، خاصة وأن هناك في هيئة الأمم المتحدة -بل وفي قراراتها التي هي بالعشرات- وفي المنظمات الدولية الأخرى مستندات ووثائق محفوظة في ملفات وخزائن دولية تثبت وتؤكد كل ما تعرض له الفلسطينيون عبْر ما يقرب مِن قرنٍ مِن الزمان؛ مما لم يتعرض له شعب مِن شعوب العالم أجمع.