مذابح "صابرا وشاتيلا"... وصمة عار في تاريخ إسرائيل وقوات الكتائب اللبنانية!
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فـ"صابرا وشاتيلا" مخيمان فلسطينيان مِن جملة ثلاثة عشر مخيمًا فلسطينيًّا كانتْ موجودة في لبنان وقت الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982م، وهي مخيمات مسجلة رسميًّا لدى هيئة الأمم المتحدة، ويقع المخيمان شمال طريق (بيروت - دمشق) الدولي، في الضواحي الجنوبية مِن العاصمة بيروت، ويفصل بيْن المخيمين مسافة نصف ميل فقط.
وقد تم إنشاء المخيمين مع وصول أول مجموعةٍ مِن الفلسطينيين القادمين مِن فلسطين المحتلة عقب النكبة في عام 1948م, وبدأ ظهور المخيمين بمجموعةٍ مِن الخيام، ثم بنيت منازل بسيطة مِن الطوب، ومغطاة بألواح مِن الزينكو، والقليل منها شيد بأعمدة، ورغم أن المخيمين يعيش فيهما عشرات الآلاف مِن اللاجئين؛ إلا أن المسجل منهم في وكالة غوث اللاجئين 20 ألف فلسطيني فقط.
وعلى أطراف مخيم "شاتيلا" مِن الجنوب توجد مستشفى (عكا)، وفي أقصى شمال مخيم "صابرا" توجد مستشفى (غزة)، وكلاهما تابع لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويعمل بهما عرب وأجانب مِن المتطوعين تحت رعاية (الصليب الأحمر الدولي)، وقد شهدت مستشفى (غزة) هروب عدد كبير مِن النساء والأطفال إليها مع تسرب الأخبار عن المجزرة التي يتعرض لها سكان المخيمين.
بداية المذبحة:
بدأت المذبحة المروعة قبْل غروب شمس يوم الخميس "16-9-1982م" باقتحامٍ للمخيمين بعد حصارهما حصارًا مشددًا، واستمرت حتى ظهر يوم السبت 18-9-1982م، وقتل فيها أكثر مِن 3500 مدنيّ معظمهم مِن النساء والشيوخ والأطفال بصورةٍ بشعةٍ وبدمٍ باردٍ.
الغزو الإسرائيلي للبنان:
جاء غزو إسرائيل للبنان في عام 1982م بقيادة وزير الدفاع الإسرائيلي (آريل شارون) ردًّا -كما زعمتْ إسرائيل- على محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن بغرض مطاردة رجال المقاومة الفلسطينية التابعين لمنظمة التحرير الفلسطيني الموجودين داخل لبنان، والتي يرأسها "ياسر عرفات" الموجود في العاصمة اللبنانية (بيروت)؛ جاء ذلك رغم إعلان جماعة (أبو نضال) المناهضة أنها التي قامتْ بمحاولة الاغتيال، وهي جماعة لياسر عرفات.
بدأ الغزو في يوم "4-5-1982م" بغاراتٍ إسرائيليةٍ عنيفةٍ مِن السلاح الجوي، ثم بعد يومين بدأ الغزو البري بقواتٍ عسكريةٍ ضخمةٍ، وأعلنت إسرائيل أن الغرض مِن اجتياح جنوب لبنان هو التوغل إلى مسافة 40 كيلو متر داخل الأراضي اللبنانية، وهي المسافة المطلوبة لمنع الصواريخ التي يطلقها رجال المقاومة الفلسطينية مِن جنوب لبنان إلى شمال إسرائيل (فلسطين المحتلة مِن عام 1948م)؛ لذا سمت إسرائيل هذه العملية باسم: (سلام الجليل!).
وقد حاولتْ قوات المقاومة الفلسطينية التصدي للقوات الإسرائيلية، كما أظهرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان -التي لم يكن أمامها إلا التصدي وحدها للغزاة- مقاومة عنيفة، أعاقت تقدم القوات الإسرائيلية عدة أيام، ولكنها بالطبع لم تكن قادرة على مواجهتها؛ لضعف إمكانياتها، وسرعان ما تحولت هذه المخيمات وما حولها إلى مناطق منكوبة، نشر فيها الجيش الإسرائيلي الذعر بما قام فيها مِن قتلٍ واعتقالٍ، واغتصابٍ وتهجيرٍ.
احتلال بيروت:
واصلت القوات الإسرائيلية تقدمها في عمق لبنان، بل تقدمت باتجاه بيروت العاصمة، إذ لم تجد مقاومة أمامها تمنعها مِن ذلك: فالجيش اللبناني لم يتدخل بدعوى أن الاجتياح الإسرائيلي الغرض منه رجال المقاومة الفلسطينية، والقوات السورية لم تتدخل في القتال، رغم مرور القوات الإسرائيلية على محاور تسيطر عليها القوات السورية الموجودة في لبنان وقتها بدعوى الالتزام بوقف إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية، أما قوات الكتائب اللبنانية فاتضح مِن الأحداث أنها كانت متواطئة مع القوات الإسرائيلية؛ لذا لم تتعرض للقوات المتوغلة، إذ أن تدمير القوات الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ومَن يحالفها مِن القوى السُّنية في لبنان يصب في مصلحة قوات الكتائب في ضوء الصراع الطائفي وما صاحبه مِن حرب أهلية في لبنان.
وقد استفادت إسرائيل مِن عميلها في جنوب لبنان الرائد اللبناني "سعد حداد"، الذي كان قد استقل بتوجيهٍ مِن إسرائيل، بكيانٍ له ولقواته في جنوب لبنان لخدمة المصالح الإسرائيلية!
أما المناطق التي تقطنها عناصر حركة "أمل" الشيعية و"حزب الله" الشيعي بجنوب لبنان، فلم تتعرض لها إسرائيل، ولم تشارك أيضًا في المواجهة.
حصار بيروت الغربية:
واصلت القوات الإسرائيلية حتى وصلتْ إلى بيروت العاصمة في ظل التواطؤ السوري وتسهيلات سعد حداد، وحزب الكتائب، فقامت بتدمير جنوب وغرب بيروت مِن البر والبحر والجو، وحاصرت مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية ومعهم (ياسر عرفات) في بيروت الغربية، وقطعت عنهم كل وسائل الحياة والمعيشة مِن ماءٍ وغذاءٍ وكهرباء، واستمر الحصار مدة تسعة وسبعين يومًا كاملة، سقط فيه الآلاف مِن القتلى والمصابين، وهو الحصار الذي أسفر على إرغام رجال المقاومة الفلسطينية على الرحيل التام مِن بيروت إلى تونس، كما تم طرد بقية رجال المقاومة الفلسطينية بعد ذلك مِن طرابلس.
وجاءت موافقة "ياسر عرفات" ورجاله على مغادرة لبنان لاعتباراتٍ، منها:
- تجنيب المدنيين في بيروت الغربية المزيد مِن القصف والدمار والمعاناة.
- اليأس مِن وصول أي نجدة عربية مِن الخارج.
وقد صحب ذلك الخروج للمقاتلين الفلسطينيين مِن بيروت الغربية التأكيد على:
- تعهد الجميع بما فيهم الحكومة الأمريكية بتأمين سلامة المدنيين في بيروت.
- تولي السلطة الشرعية اللبنانية زمام الأمور في بيروت الغربية.
- التأكيد على عدم السماح للقوات الإسرائيلية بدخول بيروت الغربية.
مشاركة قوات دولية متعددة الجنسيات في حفظ الأمن على خطوط التماس.
وعلى ذلك تم رحيل آخر المقاتلين الفلسطينيين في الأول مِن سبتمبر 1982م عن طريق البحر إلى تونس.