فتح نهاوند
صوت السلف • السيرة والتاريخ
اجتمع أهل فارس من كل فج عميق بأرض نهاوند حتى اجتمع منهم مائة ألف وخمسون، وعليهم الفيرزان وتذامروا فيما بينهم وقالوا: إن محمداً الذي جاء من العرب لم يتعرض لبلادنا، ولا أبو بكر الذي قام بعده تعرض لنا في دار مُلكنا، وإن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا وأخذ بلادنا ولم يكتف بذلك حتى أغزانا في عقر دارنا وأخذ بيت المملكة وليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم، فتعاهدوا وتعاقدوا على أن يقصدوا البصرة والكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلادهم.
وجاء كتاب عبد الله بن عبد الله بن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبدي بأنهم قد اجتمعوا وهم متحرقون على الإسلام وأهله وأن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فتعالجهم عما هموا به وعزموا عليه من المسير إلى بلادنا فقال عمر لحامل الخطاب: "ما اسمك" قال: "قريب"، قال "ابن من؟"، قال: "ابن ظفر"، فتفاءل عمر بذلك وقال: "ظفر قريب"، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا وإني قد هممت بأمر فاسمعوا وأجيبوا وأوجزوا ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلاً وسطاً بين هذين المصرين فأستنفر الناس ثم أكون لهم ردءاً حتى يفتح الله عليهم.
فقام عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأي فتكلم كل منهم بانفراد فأحسن وأجاد واتفق رأيهم على ألا يسير من المدينة، ولكن يبعث البعوث ويحوطهم برأيه ودعائه، وكان عثمان ـ رضي الله عنه ـ قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن والشام، ووافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة والكوفة ورد رأي عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفاً على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم ومن أهل اليمن خوفاً على بلادهم من الحبشة، فأعجب قول علي وسر به، ثم عرض عمر هذا الكلام على العباس ـ رضي الله عنه ـ فقال العباس: "يا أمير المؤمنين خفض عليك، فإنما أجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم"، ثم قال عمر: "والله لأولين رجلاً يكون أول الآسنة إذا لقيها غداً"، قالوا "من يا أمير المؤمنين؟"، قال: "النعمان بن مقرن"، فقالوا هو لها.
ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود منها، وكتب إلى أبي موسى أن يسير بجنود البصرة، وكتب إلى النعمان ـ وكان بالبصرة ـ أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، فإذا اجتمعوا فكل أمير على جيشه، والأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن، فكمل جيش المسلمين ثلاثين ألفاً من المقاتلة منهم من سادات الصحابة ورؤوس العرب خلق كثير، فسار الناس نحو نهاوند، وبعث النعمان بن مقرن طليعة ثلاثة طليحة وعمرو بن معدي كرب وعمرو بن أبي سلمى ليكشفوا له خبر القوم وما هم عليه، فرجع عمرو بن أبي سلمى وعمرو بن معدي كرب وسار طليحة حتى انتهى إلى نهاوند، ودخل في العجم وعلم من أخبارهم ما أحب ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، فسار النعمان على تعبئته وعلى المقدمة نعيم بن مقرن، وعلى المجنبتين حذيفة وسويد بن مقرن، وعلى المجردة القعقاع بن عمرو، وعلى الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس وعليهم الفيرزان ومعه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة وهو في مائة وخمسين ألفاً.
فلما تراءى الجمعان كبّر النعمان وكبّر المسلمون ثلاث تكبيرات فزلزلت الأعاجم ورعبوا من ذلك رعباً شديداً، ثم أمر النعمان بحط الأثقال وهو واقف، فحط الناس أثقالهم وتركوا رحالهم، وحين حطوا الأثقال أمر النعمان بالقتال فاقتتلوا ذلك اليوم والذي بعده والحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة في ثالث يوم من القتال تجمعوا في حصنهم وحاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء الله، والأعاجم يخرجون إذا أرادوا ويرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا، وقد بعث أمير الفرس يطلب رجلاً من المسلمين يكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة، فقال أمير الفرس: "ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن يقتلوكم إلا تنجساً لجيفكم فإنكم أرجاس فإن تذهبوا نخل عنكم وإن تأبوا نركم مصارعكم"، فقال المغيرة: "فتشهدت وحمدت الله وقلت لقد كنا أسوأ حالاً مما ذكرت حتى بعث الله رسوله إلينا فوعدنا النصر في الدنيا والخير في الآخرة، وما زلنا نتعرف من ربنا النصر منذ بعث اللهُ رسولَه إلينا، وقد جئناكم في بلادكم، وإنا لن نرجع إلى هذا الشقاء أبداً حتى نغلبكم على بلادكم وما في أيديكم أو نقتل بأرضكم".
ثم إن النعمان جمع أهل الرأي من الجيش وتشاوروا في ذلك فتكلم عمرو بن معدي كرب فقال: "ناهدهم (هادنهم) وكاثرهم"، فردوا عليه وقالوا: "إنما تناطح منا الجدران، والجدران أعوان لهم"، ثم أشار طليحة الأسدي برأي فاستجاده الناس وأمر النعمان على المجردة والقعقاع بن عمرو وأمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم وحدهم ويهربوا من بين أيديهم إذا برزوا إليهم، ففعل القعقاع ذلك فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه فاغتنمها الأعاجم ففعلوا ما ظن طليحة وقالوا: "هي هي" فخرجوا بأجمعهم ولم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب حتى انتهوا إلى الجيش والنعمان بن مقرن على تعبئته وذلك في صدر نهار يوم جمعة فعزم الناس على مصادمتهم فنهاهم النعمان بن مقرن وأمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس وتهب الأرواح وينزل النصر كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل.
