فتح نهاوند
صوت السلف • السيرة والتاريخ
فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذوْناً فجعل يقف على كل راية ويحثهم على الصبر ويأمرهم بالثبات، وأخبرهم أنه سيكبّر ثلاث تكبيرات، إذا كبر الأولى تأهب الناس للحملة، وإذا كبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة، ثم الثالثة ومعها الحملة الصادقة، ثم رجع إلى موقعه، واصطف الفرس صفوفاً هائلة في عَدد وعُدد لم ير مثله وقد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض، وألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب ولا الفرار ولا التحيز، ثم إن النعمان بن مقرن ـ رضي الله عنه ـ كبّر الأولى وهز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبّر الثانية وهز الراية فتأهبوا أيضاً، ثم كبّر الثالثة وحمل وحمل الناس على المشركين، وجعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالاً لم يعهد مثله ولا سمع السامعون بوقعة مثلها فقد قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام ما طبق وجه الأرض دوماً.
ووقع النعمان بن مقرن وجاءه سهم في خاصرته فقتله ولم يشعر به إلا أخوه فأخفى موته ودفع الراية إلى حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ فأقام حذيفة أخاه نعيماً مكانه وأمر بكتم موته حتى لا ينهزم المسلمون فلما أظلم الليل انهزم المشركين مدبرين وتبعهم المسلمون، وكان الكفار قد قرنوا ثلاثين ألفاً بالسلاسل وحفروا حولهم خندقاً لئلا يفروا فلما انهزموا وقعوا في الخندق وفي تلك الأودية فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون سوى من قتل في المعركة.
ولم يفلت منهم إلا الشريد، وهرب الفيرزان واتبعه نعيم بن مقرن وقدم القعقاع بين يديه فلحقه القعقاع عند ثنية همدان فلم يستطع الفيرزان صعودها فنزل، ومشي على رجليه وتعلق في الجبل، فاتبعه القعقاع حتى قتله وغنموا بغالاً وحمراً كانت تحمل عسلاً وتمراً بالثنية، ولحق القعقاع بقية المنهزمين إلى همدان وحاصره فنزل إليه صاحبها خسر شنوم فصالحه عليها ثم رجع القعقاع إلى حذيفة ومن معه من المسلمين وقد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، وجمعوا الأسلاب والمغانم ودفعوها إلى صاحب الأقباض ـ وهو السائب بن الأقرع ـ، ولما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا لحذيفة، وأخذوا لهم منه الأمان وجاء رجل يقال له الهرند ـ وهو صاحب نارهم ـ فسأل حذيفة الأمان ويدفع إليهم وديعة عنده لكسرى ادخرها لنوائب الزمان فأمنه حذيفة، وجاء ذلك الرجل بسفطين مملوئتين جواهر ثمينة لا تُقوَّم غير أن المسلمين لم يعبئوا به واتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة وأرسلوه صحبة الأخماس والسبي صحبة السائب بن الأقرع وأرسله قبله طريف بن سهم يبشر بالفتح ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين.
وأما أمير المؤمنين فإنه كان يدعوا الله ليلاً ونهاراً لهم دعاء الحوامل المقربات، وابتهال ذوي الضرورات، وقد استبطأ الخبر عنهم، ثم قدم طريف بالفتح وليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان، فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخبار فأخبروا بالأمر على جليته، ولما أُخبر عمر بمقتل النعمان بكى وسأل السائب عمن قُتل من المسلمين فقال: فلان وفلان وفلان لأعيان الناس وأشرافهم ثم قال: وآخرون من الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكي ويقول: "وما ضرهم ألا يعرفهم أمير المؤمنين لكن الله يعرفهم وقد أكرمهم بالشهادة، وما يصنعون بمعرفة عمر"، ثم أمر بقسمة الخمس على عادته وحمل ذانك السفطيان إلى منزل عمر ورجعت الرسل.
فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم فلحقوا بالسائب بن الأقرع بالكوفة فقالوا له: "أجب أمير المؤمنين"، فرجع السائب على إثره حتى انتهى إليه قال: "ما لي ولك يا ابن أم السائب، بل ما لابن السائب ومالي"، قال فقلت: "وما ذاك يا أمير المؤمنين" فقال: ويحك، والله ما هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فباتت ملائكة الله تسحبني إلى ذينك السفطين - وهم يشتعلان ناراً يولون لنكوينك بهما فأقول إني سأقسمهما بين المسلمين فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين وارزاقهم فإنهم لا يدرون ما وهبوا ولم تدر أنت معهم رضي الله عن عمر وعن الصحابة أجمعين.
