دور روسيا الشيوعية في مساعدة يهود فلسطين
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فمما لا يتنبه له الكثيرون: الدور الكبير الذي قامتْ به روسيا الشيوعية وحلفاؤها مِن دول أوروبا الشرقية التابعة لها (الكتلة الشرقية) في مساعدة يهود فلسطين وإقامة دولة إسرائيل، بل وفي استمرار وتقوية وجودها بعد قيامها، وهو ما نسعى إلى الإشارة إليه هنا في عجالة واختصار.
أولًا: الاستفادة غير المباشرة مِن روسيا القيصرية:
رغم ما تعرض له اليهود في عهد روسيا القيصرية مِن اضطهاد في بعض الفترات في النصف الثاني مِن القرن التاسع عشر الميلادي؛ إلا أن الحركة الصهيونية التي أنشأها (تيودور هرتزل) استفادت مِن هذا الاضطهاد مِن روسيا القيصرية في تدعيم دعوتها إلى إقامة وطنٍ قوميٍ لليهود يأمنون فيه مِن الاضطهاد والمعاداة، كما استغلت بعد ذلك دعوى معاداة السامية ودعوى اضطهاد النازية في ألمانيا لليهود في أوروبا في تدعيم حركتها، وكان الاختيار الذي تحمس له اليهود، خاصة يهود روسيا وأوروبا الشرقية هو إقامة هذه الدولة اليهودية في فلسطين، بناءً على عاطفةٍ دينيةٍ وتاريخيةٍ، وعلى حساب شعب فلسطين وأرضه.
ومِن هنا نلاحظ:
- أن أكثر الذين شاركوا في المؤتمرات الصهيونية الأولى كانوا مِن اليهود الروس والأوروبيين الشرقيين، أما اليهود الغربيون فلم يتحمسوا لفكرة إقامة وطن لليهود في فلسطين، إذ كانت فكرة صعبة التنفيذ، وبعيدة المنال مِن جهة، ولكونهم قد تكيفوا مع الحياة في بلدان أوروبا الغربية واستقروا بها، فليس مِن السهل عليهم تركها إلى ما لا يعلمون تكلفته ومصيره؛ لذا لم يشارك يهود أوروبا الغربية بفاعليةٍ في المؤتمرات الصهيونية الأولى، بل وعارض ممثلوهم الفكرة التي قامتْ عليها الحركة الصهيونية، ولم تبدأ الهجرة اليهودية مِن دول أوروبا الغربية بشكلٍ ملحوظٍ إلا بعد ظهور وعد بلفور عام 1917م وبداية تفعيله في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين، بعكس اليهود الروس الذين ارتضوا الهروب مِن الاضطهاد القيصري في روسيا إلى المستعمرات التي بدأ ظهورها في فلسطين، حيث الأرض التي يتطلعون بعيونهم إليها، ويحلمون بعاطفتهم بها في ظل حركةٍ صهيونيةٍ رسمت المنهج والطريق، وبدأت خطواتها الفعلية في التنفيذ والبناء.
- أن موجات الهجرة الأولى لليهود إلى أرض فلسطين، وإنشاء مستعمرات صهيونية فيها، كان أغلبها مِن اليهود الروس، ويهود أوروبا الشرقية.
- أن أكثر زعماء ورؤساء إسرائيل وقادتها بعد قيامها كانوا مهاجرين مِن روسيا وأوروبا الشرقية إلى إسرائيل.
- أن اليهود الروس والشرقيين تمسكوا دائمًا بأن تكون فلسطين هي الأرض المقترحة لإقامة الدولة اليهودية، وعارضوا أي مقترح يتضمن تقديم أرض أخرى لإقامة دولة لليهود فيها كالأرجنتين في أمريكا الجنوبية أو أوغندا في إفريقيا.
ثانيًا: تواصل الشيوعيين الروس سرًّا مع الحركة الصهيونية:
بعيدًا عن الرسميات لم تغفل الحركة الصهيونية الاستفادة مِن روسيا؛ فسعت سرًّا إلى ربط مصالحها بمصالح روسيا، إذ تلتقي دائمًا مصالح الغرب والشرق ومصالح اليهود في معاداة العالم الإسلامي وقضاياه، ومِن مظاهر هذا العمل السري التعاون بيْن الحركة الصهيونية وأصحاب الفكر الشيوعي الذي ظهروا في بداية القرن العشرين: لقاء (وايزمان) -الذي قاد الحركة الصهيونية بعد وفاة هرتزل في عام 1904م- بـ(لينين) -الذي تبنى الفكر الماركسي وتولى تطبيقه في روسيا بعد الثورة البلشفية- بحضور الكاتب الصهيوني (جاك ليفي) في بيت الصناعي (دانيال شوين) في (زيورخ)؛ لبحث مخطط تقويض القيصرية في روسيا، وبحث المخطط اليهودي في فلسطين، حيث وعد (لينين) (وايزمان) أنه بعد قيام الثورة البلشفية الشيوعية وزوال القيصرية مِن روسيا ستحقق الثورة في روسيا للشعب اليهودي المشتت ما عجزتْ عن تحقيقه لهم الثورة الفرنسية سنة 1789م، ووعد (وايزمان) (لينين) بأنه لابد مِن إنشاء دولة يهودية في فلسطين على أسسٍ اشتراكيةٍ بعد أن تحقق الثورة الروسية الاشتراكية أهدافها؛ ولهذا أعلنت بالفعل الحكومة البلشفية برئاسة (لينين) عقب وصولها للسلطة -تنفيذًا لذلك- تأييدها الكامل لحق اليهود في وطنٍ قوميٍ لهم في فلسطين.
ومِن المعلوم أن الشيوعية مِن ابتكار اليهود؛ فهم الذين صاغوا الفكر الشيوعي وأسسوا تنظيماته الأولى وأمدوها بالمال، وكان لهم الهيمنة عليها وعلى الثورة البلشفية، وكان كثيرٌ مِن أعضاء ورجال الثورة البلشفية مِن اليهود؛ ففي اللجنة التنفيذية في مكتب السوفيت في (بتروجراد) كان يوجد 43 يهوديًّا! و(كارل ماركس) مؤسس الفكر الماركسي الشيوعي يهودي -مِن بيتٍ يهوديٍ محافظ-، وهو حفيد الحاخام اليهودي المعروف (مردخاي ماركس).
يقول الحاخام اليهودي (لويز برونس): "إن كارل ماركس حفيد الحاخام (مردخاي ماركس)، كان في روحه واجتهاده وعمله ونشاطه وكل ما قام به وأعد له أشد إخلاصًا لإسرائيل مِن الكثيرين ممَن يتشدقون اليوم بدورهم في مولد الدولة اليهودية".
وارتباط ماركس بإقامة دولة يهودية يرجع إلى اتصاله بـ(موشيه هيس) صاحب كتاب (الدولة اليهودية)، والذي منه استقى هرتزل -مؤسس الحركة الصهيونية الحديثة- فكرة كتابه (الدولة اليهودية) بعد تبنيه فكر (هيس) وتنظيمه؛ ولهذا يرى الكثيرون أن شيوعية اليهودي "كارل ماركس" صورة مِن صور إفساد اليهود للعلم والمجتمعات، بنشر الإلحاد والانحلال باسم العلم والتقدم والتحرر.
الاشتراكية الماركسية (الشيوعية):
نسبة إلى مؤسسها "كارل ماركس" الذي وضع أسسها النظرية بمساعدة صديقه (فردريك إنجلز)، وتتبنى الماركسية الإلحاد، وترى أن المادة أساس كل شيء، وتفسِّر التاريخ بالعوامل الاقتصادية، ومِن خلال صراع طبقة البروليتاريا (طبقة العمال) مع الطبقة البرجوازية، وماركس يهودي ألماني ولد عام 1818م، واعتنق أفكاره مِن بعده "لينين" الذي سعى إلى تطبيق هذا الفكر في روسيا بعد سقوط الحكم القيصري فيها بالقوة، وقد جعلت الماركسية القضاء على الأديان على رأس أولوياتها؛ إذ تنكر الماركسية وجود الله، وتنكر كل الغيبيات.