حكيم أرطغرل (ابن عربي) في ميزان القرآن والسُّنة (2)
مصطفى إبراهيم • المنهج السلفي
العلوم الكشفية والمنامات ومنزلتها عند (ابن عربي)
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد ذكرنا في المقال السابق أن حكيم أرطغرل "ابن عربي" ينتمي إلى المدرسة الفلسفية الغالية، وذكرنا عددًا مِن الروافد الفكرية التي أثَّرتْ في فلسفته: كالتراث الفارسي والهندي الوثني القديم، وتأثره الشديد بالفلسفة الأفلاطونية؛ مما دفع بعض الباحثين بتسميته (ابن أفلاطون)، كما تأثرت فلسفته بالديانة النصرانية المحرفة، والشيعة.
ثم شرعنا في الحديث عن مصادر التلقي عنده، وذكرنا منها ثلاثة مصادر، وهي: "تلقيه عن الله -عز وجل- مباشرة بلا واسطةٍ - وتلقيه عن جبريل -عليه السلام- مباشرة - وتلقيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مباشرة في اليقظة!"؛ ذكرنا ذلك كله مدعومًا بالأدلة والنقولات مِن كتب ابن عربي، ثم أتبعناها بذكر الآثار السيئة المترتبة على هذه المزاعم الباطلة.
وسوف نواصل في هذا المقال -بعون الله تعالى- الحديث عن مصادر التلقي عنده.
المصدر الرابع: دعوى التلقي عن طريق العلوم الكشفية:
يعتمد ابن عربي على العلوم الكشفية اعتمادًا كبيرًا في إثبات الأحكام والعقائد، بل إن العلوم الكشفية مِن المصادر القطعية المقدمَةٌ عنده على الكتاب والسُّنة، كما سيظهر ذلك مِن خلال ما سننقله مِن كتبه -إن شاء الله-، ولكن قبل أن نبيّن ذلك لا بد أن نتعرف على معنى "العلوم الكشفية!".
إن المراد بـ"العلوم الكشفية": "تلك العلوم التي تحصل مِن غير استدلال بآيةٍ ولا نظر في حجة!، وهي ليستْ بحجة عند العلماء إلّا عند الصوفيين" (انظر التعريفات، الجرجاني ص51) .
وهذا -أيها القارئ الكريم- مِن العجائب! إذ كيف يسمَّى علمًا وهو يحصل بغير استدلال بآية ولا نظر في حجة! فشتان بيْن هذا وبيْن العلم المبني على النور، والهدى المستمد مِن وحي رب العالمين.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إن العلم الحاصل بالشواهد والأدلة هو العلم الحقيقي، وأما ما يدعى حصوله بغير شاهدٍ ولا دليلٍ؛ فلا وثوق به وليس بعلمٍ، ولا يحصل لبشرٍ علم إلّا بدليل يدله عليه، فكل علم لا يستند إلى دليل؛ فدعوى لا دليل عليها، وحكم لا برهان عند قائله، وما كان كذلك لم يكن علمًا؛ فضلًا عن أن يكون لدنيًّا" (انظر مدارج السالكين، ابن القيم 3/ 431-433 بتصرف يسير) .
إذن -أيها القارئ الكريم- هذه هي العلوم التي يسمونها: (العلوم الكشفية!).
والسؤال الآن: ما هي منزلة (العلوم الكشفية) عند ابن عربي؟
تبلغ تلك العلوم المزعومة عند (حكيم أرطغرل) أعلى المقامات مِن الاستدلال؛ فهي تفيد عنده الآتي:
أولًا: تفيد عنده إثبات عبادات وأحكام جديدة لا أصل لها في الشرع!
ثانيًا: كما أنها تفيد عنده ترتيبًا جديدًا لعباداتٍ لها أصل في الشرع؛ بمعنى: أنه يأتي لعباداتٍ شرعية ثم يقوم بإعادة ترتيبها، ثم يخرج لنا بعبادةٍ جديدةٍ في صورتها وأجزائها مستمدة مِن الشرع! بما يمكن أن نطلق عليه: (إعادة تركيب لصور العبادات؛ لأجل إنتاج عبادة جديدة)، فيقول في ذلك: "فالولي قد يُلهم لترتيب صورة لا عين لها في الشرع مِن حيث مجموعها، ولكن مِن حيث تفصيل كل جزء منها وجدته أمرًا مشروعًا، فهو تركيب أمور مشروعة أضاف بعضها إلى بعض هذا الولي، أو أُضيفت له بطريق الإلقاء، فظهر بصورة في الشرع بجمعيتها، فهذا القدر له مِن التشريع" (انظر الفتوحات المكية، ابن عربي 3/ 56) .
ثالثًا: نسخ -أي إلغاء- بعض الأوامر والنواهي التي جاء بها الشرع! فيقول ابن عربي: "فإذا جاءه بحكم في هذه الصورة فلا يأخذ به إن اقتضى ذلك نسخ حكم ثابت بالخبر المنقول الصحيح المعمول به، بخلاف حكمه لو رآه على صورته؛ فيلزمه الأخذ به، ولا يلزم غيره ذلك" (الفتوحات المكية، ابن عربي 4/ 27) .
فأين هذا مِن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ؟!
بل كيف تبلغ جرأة أحد مِن البشر أن ينسب لرب العالمين شيئًا ليس مِن عنده -سبحانه!-، بل ويدعيه علمًا! والله -تعالى- يقول: ( وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (آل عمران:78) ، ويقول: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ ) (الأنعام:93) ؛ لذا فكل من تقوّل على الله تعالى بغير علم ولا دليل ولا برهان، فهو من أظلم الظالمين وأكذب الكاذبين.
وإني سأكتفي -أيها القارئ الكريم- بما نقلته لك مِن كلام ابن عربي فيما يتعلق بالعلوم الكشفية، ولن أطيل في الرد على أقواله وبيان بطلانها في هذه المسألة؛ إذ الأقوال الباطلة الساقطة لا تحتاج إلى كبير عناءٍ في بيان بطلانها؛ بل يكفي مجرد ذكرها وحكايتها ليظهر فسادها أمام الجميع.
المصدر الخامس: الرؤى المنامية:
الصوفية يعتمدون الرؤى المنامية كمصدرٍ مهم مِن مصادر التلقي، بل إن الرؤى المنامية ترقى عندهم لإثبات عباداتٍ وأحكامٍ جديدة ما أنزل الله بها مِن سلطان! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما عند حكيم أرطغرل (ابن عربي) فإن الأمر عنده لا يقتصر على إثبات أحكام جديدة فحسب، بل بلغ به الأمر أن قال إن المنامات تنفي وتلغي ما ثبت في الشرع بالأسانيد المتصلة وتلقته الأمة بالقبول! فيدعي معرفة مراتب الأحاديث عن طريق الرؤى المناميّة! فيقول في كتابه (الفتوحات المكيّة): "هذا هو الفرقان عند أهل الله بيْن الأمرين؛ فإنهم قد يرونه -صلى الله عليه وسلم- في كشفهم؛ فيصحح لهم مِن الأخبار ما ضعف عندهم بالنقل، وقد ينفون مِن الأخبار ما ثبت عندنا بالنقل" (الفتوحات المكية، ابن عربي 4/ 28) .
فقد ينام ابن عربي ثم يستيقظ مِن نومه فيجعل الصحيح ضعيفًا، والضعيف صحيحًا! بزعم أنه رأى ذلك في المنام، بل ويزيد على ذلك بتحديث الناس بأحاديث لم يسمعوها مِن قبْل؛ بزعم أنه سمعها مِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في منامه!