شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفية
دخول ♡ قبسات

حكيم أرطغرل (ابن عربي) في ميزان القرآن والسُّنة (2)

مصطفى إبراهيم • المنهج السلفي

فليس بعجيبٍ إذن أن نجد في كتب ابن عربي كثيرًا مِن الأحاديث الباطلة الموضوعة، المكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالأمر عنده -كما يظهر مِن كلامه- لا يقتصر على مجرد الاحتجاج بالأحاديث الباطلة والموضوعة والأخذ بها، بل يزيد الأمر عنده حتى يصل إلى حدّ نفي الأخبار الصحيحة، واختلاق الأحاديث بنفسه وارتجالها؛ بزعم تلقيها عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، سواء يقظةً أو منامًا!

ومعلوم لدى كل مسلم ومسلمة أن الرؤيا لا تكون وحيًا إلّا للأنبياء فقط، وأما غيرهم فلا تكون بالنسبة لهم وحيًا بحال، إلّا عند الكاذبين أصحاب الادعاءات الباطلة.

قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: "وقوم استندوا في أخذ الأعمال إلى المنامات، وأقبلوا وأعرضوا بسببها، ويتفق مثل هذا كثيرًا للمترسمين برسم التصوف، وربما قال بعضهم: "رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في النوم فقال لي كذا، وأمرني بكذا!"، فيعمل بها ويترك بها، معرضًا عن الحدود المذكورة في الشريعة، وهو خطأ؛ لأن الرؤيا مِن غير الأنبياء لا يُحكم بها شرعًا على حال، إلا أن تُعرض على ما في أيدينا مِن الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عمل بمقتضاها، وإلّا وجب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة أو النذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا" (الاعتصام، الشاطبي 1/ 260، بتصرف يسير) .

خطورة هذا المصدر عند ابن عربي:

هذا الرأي عند ابن عربي فيه مِن الفساد والبطلان ما يبطل به الشرع الشريف، بل يعود هذا القول على القرآن الكريم بالإبطال؛ فأين هذا القول مِن قول الله -عز وجل-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة:3) ؟! وهل ما نسخ مِن الشرع عن طريق الرؤى المنامية يكون لازمًا لمَن رآه في المنام فقط أم يكون لازمًا لعموم الأمة بحيث يكون شرعًا ودينًا؟!

كما أن مِن اللوازم الباطلة لهذا القول أيضًا: أن فيه إقرار وتصحيح لجميع الديانات والعقائد؛ إذ كل عامل أيًّا كان عمله، أو حتى اعتقاده، يستند إلى دليلٍ -يظنه كذلك- مِن المنامات والرؤى التي يزعمون أنّها ربّانية، وما هي إلا شيطانيّة -والعياذ بالله-!

وثمة حديثان قد يذكرهما مَن يدافع عن ضلالات ابن عربي في مسألة المنامات؛ لذا وجب التنبيه على المعنى الصحيح لتلك الأحاديث.

الحديث الأول: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ) (متفق عليه) .

- معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ تَكْذِبُ ): قال الخطابي وغيره: "قيل المراد إذا قارب القيامة" (شرح صحيح مسلم، النووي 15/ 20) .

- معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا ): أي أن المسلم أصدق الناس رؤيا.

- وأما معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَرُؤْيَا المُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ): فقد تنوعت تعليلات أهل العلم في تفسير هذه النسبة، وقد ذكر ابن حجر -رحمه الله- عددًا منها في كتابه "فتح الباري"، ولعل أشهر تلك التعليلات قوله -رحمه الله-: "كأنه قيل: كانت المدة التي أوحى الله إلى نبينا فيها في المنام جزءًا مِن ستة وأربعين جزءًا مِن المدة التي أوحى الله إليه فيها في اليقظة" (فتح الباري، ابن حجر 12/ 365) ، حيث كان مجموع مدة البعثة ثلاثة وعشرين سنة، منها ستة أشهر من الرؤيا الصالحة، والستة أشهر تمثِّل 1/ 46 مِن ثلاثة وعشرين سنة.

فإذا رأى العبد المؤمن رؤيا صالحة فإنها تسره ولا تغره، وقد يستأنس بها العبد، ولكنها لا تلغي حكمًا مِن أحكام الشريعة كما لا تثبت حكمًا جديدًا، قال ابن دقيق العيد: "هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول" (بواسطة تيسير العلام، عبد الله البسام، ص 402) .

الحديث الثاني: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ، لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي ) (متفق عليه) .

قال النووي -رحمه الله- في بيان معنى هذا الحديث: "فيه أقوال: أحدها: أن يراد به أهل عصره، ومعناه: أن مَن رآه في النوم ولم يكن هاجر يوفقه الله للهجرة ورؤيته -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة عيانًا. وثانيها: أنه يرى تصديق تلك الرؤيا في اليقظة في الدار الآخرة؛ لأنه يراه في الآخرة جميع أمته. وثالثها: أنه يراه في الآخرة رؤية خاصة في القرب منه وحصول شفاعته ونحو ذلك" (راجع شرح صحيح مسلم، النووي 15/ 26) .

وقال ابن حجر -رحمه الله-: "هو على التشبيه والتمثيل، ودل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الأخرى: ( لَكَأَنَّمَا رَآنِي فِي الْيَقَظَةِ )" (فتح الباري، ابن حجر 12/ 385) .

وليس معناه قطعًا أن أحدًا مِن الناس يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة بعد وفاته كما يدَّعي ابن عربي!

وإلى هنا ينتهي الحديث عن مصادر التلقي عند ابن عربي، وقد ذكرنا منها خمسة مصادر، وهي:

1- التلقي عن الله -تعالى- مباشرة بلا واسطةٍ!

2- التلقي عن جبريل -عليه السلام- بلا واسطةٍ!

3- التلقي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في اليقظة!

4- التلقي عن طريق العلوم الكشفية.

5- التلقي عن طريق الرؤى والمنامات.

وسوف نبدأ في المقال القادم -بإذن الله تعالى- في الحديث عن أخطر وأقبح مقالات ابن عربي؛ ألّا وهو القول بوحدة الوجود، ومعناه ولوازمه، وآثاره السيئة.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الصفحة السابقة